محمد بن أحمد الفرغاني
20
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
بقوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : الآية 110 ] ، وبقوله : « كنت كنزا مخفيّا » ونحو ذلك . والوجه الثاني : انقطاع أكمل الإدراكات والعلوم وأوسع الشهودات والفهوم إليه واعترافه بالعجز والقصور والحيرة فيه ، وبأن ما وراء غاية مدركه ونهاية مشهده بحار يحار في تيّارها فهم كل غائص واقف ، ويتيه في تيه كنهها وغور أسرارها علم كل خائض عارف ، هي المقصد الأعلى والمطلب الأولى ؛ كما نصّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بقوله في مناجاته : « لا أحصى ثناء عليك » « 1 » ، لا أبلغ كل ما فيك ، وبقوله أيضا في أثناء دعائه : « أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك » « 2 » ، وبقوله : « ربّ زدني فيك تحيّرا » « 3 » ، وأمثال ذلك . ومهما علم أو شوهد أو أدرك شيء منها عند تجلّيها الظاهري أو الباطني أو الجمعي في السير الحبي وقرب النوافل ، وتقدم السلوك على الجذبة وسبق الفناء « 4 » على البقاء « 5 » حيث يكون ويظهر لدى الفتح أن الحقّ المتجلّي آلة لإدراك العبد
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب ما يقال في الركوع والسجود ، حديث رقم ( 486 ) [ 1 / 352 ] ونصه كاملا : « عن عائشة قالت فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول : اللّهمّ أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وروى الحديث غير مسلم . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء . . . ، حديث رقم ( 1877 ) [ 1 / 690 ] وفيه : « أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب همّي » . وروى الحديث غير الحاكم . ( 3 ) هذا الأثر لم أجده فيما لديّ من مصادر ومراجع . ( 4 ) الفناء : هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقّا وورقته الأولى : فناء المعرفة ، والثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه ، وفناء شهود المعرفة لإسقاطها ، وفناء شهود العيان لإسقاطه ، الثالثة : الفناء عن شهود الفناء . والفناء : أن يفنى عن كل ما سوى اللّه باللّه ولا بدّ وأن تفنى في هذا الفناء عن رؤيتك فلا تعلم أنك في حال شهود حق ، إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال . ( 5 ) البقاء : يطلق ويراد به رؤية العبد قيام اللّه في كل شيء . فالبقاء أحد المقامات العشرة التي يشتمل عليها قسم النهايات لأهل السلوك في منازل السير إلى الحق تعالى ، وهو مقام أرباب التمكين في التلوين الذي ستعرفه في باب التاء . وعند حصول هذا التمكين لم يبق عليه الاسم ولا العبارة ولا الإشارة ليؤذن ذلك بتميّز وإضافة فيبقى من لم يزل ويفنى من لم يكن ، ولهذا كان مقام البقاء بعد الحالة المسمّاة بالفناء كما ستعرف ذلك في باب الفاء . والبقاء مرتبة من يسمع بالحق ، ويبصر به ، المشار إلى هذه المرتبة بقوله : « بي يسمع وبي يبصر » .