محمد بن أحمد الفرغاني
21
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
المتجلّي له من باب « كنت سمعه وبصره ، فبي يسمع وبي يبصر » « 1 » ، وفي السير المحبوبي وقرب الفرائض وتأخّر السلوك عن الجذبة وتقدم البقاء الأصلي على الفناء حيث يتبيّن أن العبد المتجلّى له آلة لإدراك الحق المتجلّي من باب « فإن اللّه تعالى قال على لسان عبده : سمع اللّه تعالى لمن حمده » « 2 » ، وعند انتهاء السيرين والجمع بين الحكمين ابتداء وانتهاء حيث يصح أن كل واحد منهما مدركا وآلة على التعاقب أو معا في حالة واحدة من باب وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : الآية 17 ] ، فعلى كل حال يكون ذلك العلم والشهود والتجلّي والإدراك من حيث تعينه ومشيئته وعلمه المقدّس بذاته الأقدس تعالى وتقدّس من حيث واحديتها ، لا من حيث إطلاقها وأحديتها ، فإن إدراكه وشهوده من حيث تعيّنه وعلمه غير ممنوع ، بل موكول إلى مشيئته تعالى وتقدّس كما قال عزّ من قائل : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : الآية 255 ] ، ثم إن وحدته التي انتشئت منها الأحديّة « 3 » والواحدية هي عين ذاته لا صفة زائدة ولا نعت زائد عليها ، لكن للوحدة اعتباران أصليّان أوليّان ، أحدهما : سقوط الاعتبارات عنها بالكلية ، وسمّي الذات أحدا بهذا الاعتبار ومتعلقة بطون الذات وإطلاقها وأزليّتها ، وعلى هذا يكون نسبة الاسم الأحد إلى السلب أحقّ من نسبته إلى الثبوت والإيجاب . والاعتبار الثاني : ثبوت الاعتبارات الغير المتناهية لها مع اندراجها فيها في أول رتبة الذات ، وتحقّق أكثر تفصيل تعيّناتها في ثاني الرتبة الآتي بيان كليهما عن قريب إن شاء اللّه تعالى ؛ كالنصفية والثلثية والربعية الثابتة والمندرجة في هذا الواحد المشهود ههنا ، التي ينتشىء منها الأعداد في المراتب الوجودية ، وينتشىء من تلك الاعتبارات أعيان الاثنين والثلاثة والأربعة فيها ، كما يقال : الواحد نصف الاثنين ، وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة وهلمّ جرّا . والذات بهذا الاعتبار يسمّى واحدا اسما ثبوتيّا لا سلبيّا ، ولم تصح إضافة هذه الاعتبارات المذكورة إلى الاسم الأحد لا حقيقة ولا وضعا لغويّا ، فحقائق هذه
--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في بيان عدد الأبدال وصفاتهم [ 1 / 265 ] . ( 2 ) لم أجده بلفظه فيما لديّ من مصادر ومراجع . ( 3 ) الأحدية : عبارة عن مجلى الذات ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثّراتها فيه ظهور ، فهي اسم لصرامة الذات المجرّدة عن الاعتبارات الحقّيّة والحلقية .