محمد بن أحمد الفرغاني

19

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

الكمّل في عرض التعيّن والتجلّي الأول ، لتحقيق الكمال الذاتي الأشرف المعني بقوله : « فأحببت أن أعرف » « 1 » ، وهو المتضمّن أيضا نفائس درر أسماء الصفات التي يسمح بتعريفها لكل من يصلح لتشريفها من كل فرد متخلّق ، أو كامل متحقّق ، والمحتوي أيضا على لآلىء أسماء الأفعال العامّ نفعها وأثرها ، والمستفيض حكمها وخبرها في جميع المراتب الكونيّة التي هي محال تمام الكمال الأسمائي والمطلب الغائبّ المعني بقوله : « فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » . فقوله : « كنت » يخبر عن تعيّن مسبوق بالإطلاق ، فإن مفهوم تاء المتكلّم عن نفسه يؤذن بتعيّنه في نفسه وظهوره حالة تكلّمه تعيّنا وظهورا . أما قوله : « كنزا مخفيّا » ينبئ عن غيبه وإطلاقه بحيث لا يدخل تحت حكم معيّن يحكم عليه من حيث هذا الغيب والإطلاق ، ولا تحت إحاطة به علما من حيث تعيّناته أصلا ، فإنّ مطلق الخفاء يحكم بذلك كلّه ، وحيث كان الخفاء وقع خبرا « لكنت » عرف سبق الإطلاق والغيب على ذلك التعيّن ، ولكن سبقا رتبيّا لا زمانيّا ، فإنه صحّ أنه ليس عند اللّه صباح ولا مساء . وقوله : « فأحببت » يخبر عن ميل أصلي هو وصلة بين الخفاء والظهور المذكور ، وما ثمّ إلّا التعيّن الذي هو عين الوحدة ، فكان عينه . وقوله : « أن أعرف » يشير إلى ظهور ذلك الخافي ، وقوله : « فخلقت الخلق لأعرف » يعرف أن تقدير المقدّرات علما ووجودا يعقب ذلك الميل ويترتّب على متعلّقه الذي هو الظهور الحاصل بذلك التعيّن ليتحقّق كمال ذلك الظهور مفصّلا متميّزا ويشمل حكمه وأثره المقدّر والمقدّر تعقّبا ذاتيّا لا زمانيّا ، بل عمليّا ووجوديّا أيضا بالنسبة إلى المقدّر العالم الأزلي وعلمه الذاتي والصفاتي الأبدي ، فإن علمه عين وجوده ، فافهم تقرّ بالكبريت الأحمر والكنز الأكبر إن شاء اللّه تعالى . ثم اعلم أن كنه الذات الأقدس وغيب الهوية والإطلاق والأزلية المندرج فيه حكم الأبدية لا يشهد ولا يفهم ولا يعلم ولا يدرك من حيث التعيّن أصلا ، ولا يدخل تحت حكم متعيّن البتّة . نعم اللّهمّ إلا حكما سلبيّا بأنها لا تعلم ، وإنما توجه وتأتى هذا الحكم السلبي أيضا بأحد وجهين ؛ أحدهما : إخبار إلهي عن ذلك

--> ( 1 ) انظر الهامش السابق .