محمد بن أحمد الفرغاني
18
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الأصل الأول في ذكر رتب الذات وتعيّن الأسماء منها والصفات وذكر كيفية انتشاء الفروع من تلك الأسماء والصفات من أصولها مع تعرّض لشرح الأسماء التسعة والتسعين ، وذكر انتشاء باقي الأسماء منها دقيقها وجليلها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « قال اللّه عزّ وجلّ : كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » . اعلم أيّدك اللّه بالفهم الصحيح أنه قد كنى في هذا الحديث الإلهي عن كنه الغيب وإطلاق الذات الأقدس وباطن الهوية الأزلية بالكنز المخفي ، وذلك لملابسة أن الكنز عبارة عن عين مغيب مكنون وسرّ مخزون مشتمل على جواهر عظيمة الجدوى مرغوب فيها ما بين أنفس تصان ويضنّ ويستأثر بها وبين نفيس ، ربما يقع فيه التسامح والتبدّل خصوصا أو عموما ، ومهما أريد إظهاره يعرض أولا عرضا مجملا بحيث يبين الكنز ويظهر لواجده في محله ، ثم يعرض ثانيا عرضا يميّز فيه بين الأنفس والنفيس ، وينقل منه عن محله لحكمة يراها الواجد من إظهار كماله الذي يتضمّن غناءه وإظهار التجمّل والجود ونحو ذلك ، وكذلك كنه الجناب الأقدس تعالى وتقدّس وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ، بلا نسبة تشبيه وتشكيل وتمثيل إليه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنه الغيب المكنون والسرّ المصون الذي هو أبطن كل باطن ، وبطون المشتمل على جواهر أسماء الذات التي هي أنفس نفائس الأسماء التي منها ما يستأثر في مكنون الغيب عنده ، فلا يعلمها إلّا هو ومن ارتفعت بينونته ورفعت كينونته ممن هو أكمل جميع
--> ( 1 ) هذا الحديث سبقت الإشارة إليه .