حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

77

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

لا بل الحقّ أن لا يطلق اسم العلم إلّا عليها ، فإن أطلق على غيرها فبالمجاز المحض وبالتوسّع البعيد والاشتراك الصرف ، فإنّ العلم ثمّة عين المعلوم والصفة عين الموصوف وليست بزائدة على الذات . فإنّ المعلوم إمّا ذات كمالها بنفسها ، وإمّا ذات فرض أنّ جميع ما للأولى بنفسها ، فلهذا مع الصفات صرح العقل حاكما بأنّ الأولى أتم لعدم افتقارها في كمالها ، فالذات المستغنية عن الزائد أتمّ وأكمل من المفتقرة إليها ، فاذن العلم ليس هو إلّا كمال الذات من حيث هي ذات ، أو هو كمال الوجود من حيث هو وجود ، ولا يوجب تكثّرا ، فإذن الحقّ تعالى هو المستحقّ لكلّ كمال غير مكثّر كالحياة والعلم والإرادة والقدرة ، وغيرها من صفات الكمال ، وهو المعطي لكلّ كماله ، ولا يمكن أن يعطي الكمال القاصر عنه فيكون المستفيد أشرف من المفيد ، وهذا محال . فالعلم إذن إمّا حضور ذات مفارقة في ذات مفارقة ، أو هو عدم غيبتها عنها وهذا أتمّ لأنّه يعمّ إدراك الشيء لذاته وغيره ، إذ الشيء لا يحضر لنفسه ولكن لا يغيب عنها . والحقّ تعالى غير غائب عن ذاته ولوازم ذاته ، فهو عالم وعالميّته بذاته هي ذاته مع عدم الغيبة والتجرّد عن المادّة ، وهما سلبيان وهو الوجود البحت . والأشياء حاضرة له على إضافة مبدأية تسليطية ، لأنّ الكلّ لازم ذاته فلا تغيب عنه ذاته ولا لازم ذاته ، وعدم غيبته عن ذاته ولوازمه مع التجرّد عن المادّة هو إدراكه تعالى . وإذ ليس في الوجود ألّا ذاته ولوازم ذاته فهو بكلّ شيء محيط علما ولا يحاط به علما ، فاذن العلم الآلهي ليس بصفة زائدة على الذات المقدّسة الآلهية ولا هو منطبع في المعلوم ، لأنّ العدم المطلق معلوم ، والعدم ليس بشيء حتى ينطبع فيه شيء ولا شيء ينطبع في الشيء ، ولا العدم شيء ينطبع في شيء ، وهو [ إن ] تعلّق أيضا ، فإنّه لا يتعلّق الشيء بلا شيء ، فالعلم باللّه تعالى محال وسواه حجاب . إذا فهم هذا فنقول : العلم أكبر من أن يحيط به فهم العلماء أو تدركه عقول العقلاء ، وبراهين هذا المطلوب كثيرة منها : قصّة موسى والخضر عليهما السلام مع جلالة قدر موسى عليه السلام وما خصّه اللّه به من الكلام والنبوّة والرسالة والوحي . فقد ذكر اللّه في المحكم الناطق على لسان نبيّه الصادق