حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
78
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
صلوات اللّه وسلامه عليه عجز موسى عن إدراك علم عبد من عباده ، إذ قال : « فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » 75 ، حتى سأله موسى عليه السلام فقال : « هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً » 76 مع تأييد موسى عليه السلام وشرفه وعصمته من الانكار عليه . على أن الخضر عليه السلام لم يلحق درجة موسى عليه السلام في النبوّة والرسالة والتكلّم أبدا . ومنها ، أنّ اللّه تعالى خصّ نبيّنا محمدا صلى اللّه عليه وسلّم بعلوم جليّة وخفيّة أسرّها لبعض أصحابه . قال صلى اللّه عليه وسلّم : « ما صبّ اللّه في صدري شيئا إلّا وصببته في صدر أبي بكر » 77 ، وقال عليّ كرّم اللّه وجهه : « علمّني رسول اللّه صلى اللّه عليه ( وآله ) وسلّم بابا من العلم لم يعلّم ذلك لأحد غيري » 78 ، وكان يضرب بيده على صدره ويقول : « إنّ ههنا لعلوما جمّة لو وجدت لها حملة » 79 . وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه فيما ذكره البخاري في صحيحه : « حملت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم جرابين ، فأمّا الواحد فبثثته فيكم ، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع منّي هذا البلعوم » 80 . وقال عليه الصلاة والسلام : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم » 81 . وهو معنى قوله تعالى : « وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً » 82 ، أي خاطبهم على قدر عقولهم ومقدار فهومهم ، فإنّ القول البليغ هو الذي يكون بحسب مبالغ المخاطبين . ثم أمرنا عليه الصلاة والسلام بما أمر به فقال : « خاطبوا الناس على قدر عقولهم » 83 . فالناس ليسوا في المواهب سواء ، فلا ينبغي لأحد أن يظنّ أنّه يحتوي على جميع العلوم حتى يخطّىء برأيه كلام أهل اللّه تعالى وخاصّته ويكفّرهم ويزندقهم وهو مقصّر عن ممارسة أحوالهم ومنازلة حقائقهم ، بل لو سئل أحد من المنكرين عن مجرّد اصطلاح القوم الذي تواطؤوا عليه في عبارتهم ما عرفه فكيف ينبغي له أن يتكلّم بما لم يحكم أصوله : « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ » 84 ، فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم . « ربّ حامل فقه ليس بفقيه » 85 ، « وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » 86 . فربّما صحّ عند القوم من الأحاديث ما ضعّفوه ، فأخذه