حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
58
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
والأفعال ، إذ إليه يرجع الأمر كلّه كشفا وحقيقة . فانظروا رفاقي إلى حقيقة ذات النفس الانسانية وصفاتها وأفعالها لتنكشف لكم هذه المضاهاة المذكورة في الحديث النبوي 45 . ولولاها لم يقدر الانسان على الترّقي من معرفة نفسه إلى معرفة ربه ، ولولا أنّ اللّه تعالى جمع في الانسان ما هو مثال جملة العالم حتى كان نسخة مختصرة منه ، وكأنّه ربّ في عالمه متعرّف ، لمّا عرف العالم ولا التصرّف الآلهي ولا الربوبية ، [ العالم حضرة الربوبية وحضرة الآلهية وأنت من جملته ، ولهذا يقال : الكامل من يرى الكون كلّه حضرة ويرى العبودية عنده وإن كان هو من جملة الكون ] 46 ، ولا الفعل ولا العلم ولا الإرادة ولا القدرة ولا سائر الصفات الآلهية ، فصارت النفس بمضاهاتها وموازنتها مرقاة ربّها ، فحقيقة ذاتها قائمة بذاتها ليست بعرض ولا جسم ولا هي متحيّزة ولا تحلّ المكان والجهة ، ولا هي متّصلة بالبدن والعالم ولا منفصلة عنه ، ولا هي داخلة في أجسام العالم والبدن ولا خارجة عنه . وهذه كلّها صفات ذات الآله تعالى وتقدّس ، ولا توجب المثلية لأن الاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في الماهية ، لأن كلّ ماهيتين مختلفتين بسيطتين فلا بدّ وأن يشتركا في سلب كلّ ما عداهما عنهما ، وأمّا الصفات فقد خلقت فيه عالمة مريدة قادرة سميعة بصيرة متكلمة ، والله تعالى كذلك . وأمّا الأفعال ، فمبدأ فعل الانسان هو إرادة يظهر أثرها أوّلا في القلب فيسري منه أثر بواسطة الروح الروحاني الذي هو بخار لطيف في تجويف القلب إلى الدماغ ، فيسري منه أثر إلى الأعصاب الخارجة من الدماغ ومن الأعصاب إلى أوتار الرباطات المتعلّقة بالعضد فتنجذب الأوتار ، فتتحرّك بها الإصبع ، فيتحرّك بالإصبع القلم ، وبالقلم المداد مثلها ، فتحدث منه صورة ما يريد كتابته على القرطاس ، على الوجه المتصوّر في خزانة التخيّل ، فإنّه ما لم تتصور في خياله صورة المكتوب أوّلا لا يمكن إحداثه على البياض ثانيا . ومن استقرى أفعال اللّه تعالى وكيفية إحداثه النبات والحيوان على الأرض بواسطة تحريك السماوات