حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
59
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
والكواكب ، وذلك بطاعة الملائكة في تحريك السماوات ، علمنا أنّ تصرّفنا في عالمنا أعني أبداننا يشبه تصرّف الحقّ تعالى في العالم الأكبر وهي مثله ، وانكشف لنا أنّ نسبة شكل القلب إلى تصرّفنا يشبه العرش ونسبة الدماغ نسبة الكرسي ، والحواسّ كالملائكة الذين يطيعون طبعا ولا يستطيعون خلافا ، والأعصاب كالسماوات والقدرة في الإصبع كالطبيعة المسخّرة المركوزة في الأجساد ، والمداد كالعناصر التي هي أمّهات المركبّات في قبول الجمع والتركيب والتفرقة ، ومرآة التخييل كاللوح المحفوظ ، فسبحان من أوجده بجوده وصيّره فردانيا في وجوده ومنحه أسمائه وصفاته فتعلّق بها وتحقّق ، ثم تخلّق بها ثم فني عنها بمشاهدة ذاته عند التجلي الذاتي والكشف الوجودي ، فرأى في ذلك التجلّي نفسه بنفسه وعاد العدد إلى أنيّته . فأوّل كمال الإنسان هو معرفته ربّه بنفسه ، وأوسط كماله هو معرفته نفسه بربّه ، وآخر كماله هو معرفته ربّه بربّه ، فمن عرف نفسه بهذه الأحوال والاعتبارات عرف ربّه بجميع الأسماء والصفات ، ومن جهل هذه الامتيازات والنسب والإضافات جهل حاله ووقته ومقامه ونفسه ووجوده وموجده ومشهوده ومعبوده . والجهل قسمان : جهل حقيقيّ وهو المطلوب لأنّه جهل لا ضدّ له وهو أن يجهل ما سواه تعالى لاستغراقه إيّاه تعالى ، وذلك هو يقين سرمديّ وهو من جملة المشهود الحقّ ، إذ ليس لغيره تعالى ثبوت ولا وجود ولا نور أصلا . فالمعرفة هي وجود جهل الإنسان عند قيام علم الله ، فهو العارف وهو المعروف ، فالانسان جاهل به من حيث عينه وعارف به من حيث هو هو ، فالمعرفة هي المعرفة بالجهل الحقيقي الذي لا ضدّ له وهو فقد ما سواه في الشهود . هذا وأمّا العلم الذي لا ضدّ له فهو شهود الوجود ، ولا ضدّ للوجود عند أهل الشهود ، فإن قيل : العدم ضدّ الوجود ، قلنا : الوجود الذي العدم ضدّه هو الذي تقول الأفكار إنّه عرض للماهية ، وذلك عندهم عرض فضدّه عدم عروضه . وأمّا ما يفهمه أهل الشهود والكشف من الوجود فهو الذي يشتمل الثبوت أيضا بكلّ اعتبار ، فيدخل فيه العدم الإضافي لأنّه موجود في الذهن . وأمّا العدم الصرف ، وهو ما لا كان قط ولا يكون أبدا ولا دخل في