عبد العزيز الدريني

82

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

الفصل التّاسع في الخوف الحمد للّه الذي تفرد بعز كبريائه عن إدراك البصائر ، وتقدس بوصف علاه عن الأشباه والنظائر ، وتوحد بكمال جبروته فالعقل في تعظيمه حائر ، وتفرد في ملكوته ، فهو الواحد القهار الأول قبل كل أول الآخر بعد كل آخر ، الظاهر بما أبدع من صنعته فدليل وجوده ظاهر ، الباطن فلا يخفى عليه ماهجس في الضمائر ، الحي العليم الخبير السميع البصير القادر ، المتكلم بكلام قديم أزلىّ هو به ناه وآمر ، صفات كماله ظاهرة ثابتة بالأدلة ، فمن عطل فهو جاحد ، ومن شبه فهو جائر ، كيف تشبه الصنعة بالصانع ، أو تماثل الفطرة الفاطر ، زيّن قلوب العارفين بنور هدايته فأضاءت منها السرائر ، واختطف هممهم إليه فنسيم توحيده عاطر ، شمّر في طلب معبودك ، واحذر فوت مقصودك ، وبادر بالتعرض لنفحات جوده وفضله ، وخف من سطوة قهره وعدله وحاذر ؛ فكم آمن تحت عطاء برّه ، فخانه نفثات مكره ، فذبل من رياض سروره الغصن الناضر ، يا خيبة من أبعده مولاه وقطعه ، يا حسرة من صدّه عن بابه ومنعه ، يا ضيعة من أهانه ووضعه ، يا شقاوة من خذله وصرعه ، ومن خذله مولاه فليس له ناصر . قلب تعزّز بغيره ما أذله ، عبد أعرض عن خدمته ما أضله ، عمر أنفق في غير طاعته ما أقله ، من رضى بدونه فهو الخائن الغادر ، الشقي من حرمه ، والسعيد من رحمه ، والطريد من حجبه ، والقريب من جذبه ، والنادم من أهانه ، والسالم من أعانه وقد علم الولىّ والعدو والرايح والخاسر . فسبحان من أوضح الدلالة وبيّن ، وحبب الإيمان