عبد العزيز الدريني

83

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

إلى المؤمنين وزين ، وطبع على قلوب الجاحدين ، فهم يحادلون في الحق بعد ما تبين ؛ جلت عظمته عن الإدراك ، فالوهم حسير قاصر . ( أحمده ) على إحسانه الوارد والصادر ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة عبد لأحكامه صابر ، ولآلائه شاكر ؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اختاره من أطيب العناصر ، واصطفاه من أنجب العشائر ، واختصه بأشرف الذخائر ، وأدار على من عاداه أفظع الدوائر ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ما دار فلك دائر ، وسار كوكب في الجوّ سائر . في قوله اللّه تعالى : ( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) . الخوف من مقام اللّه وحسابه يدعو إلى المواظبة على العمل والعلم لتنال رتبة القرب من اللّه تعالى ، والخوف سوط اللّه تعالى يقوّم به الشاردين عن بابه ، فمن خاف المقام بين يدي ربه يوم العرض ونهى النفس عن هواها وردّها عن غيها ( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) . وينبغي للمؤمن أن يكون كثير الفكر فيما بين يديه من الأهوال كثير المحاسبة لنفسه في عدّ نعم اللّه تعالى وعد جنايات نفسه ليدوم بذلك خوفه ، فإن الخوف إذا فارق القلب خرب ، والغالب على النفس الفتور والأمن والكسل عن الطاعات ، والميل إلى الشهوات ودواء ذلك الخوف ؛ فأما من دام عليه الخوف حتى مال إلى القنوط واليأس من رحمة اللّه تعالى فينبغي أن يداوى بالرجاء ويذكر سعة رحمة اللّه تعالى ؛ فمثال الخوف والرجاء كمثال الحرارة والبرودة ؛ فمن غلب عليه أحدهما حتى خيف عليه الانحراف والتلف يداوى بالآخر حتى يرجع إلى حد الاعتدال . فقد ورد في الحديث « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » وفائدة الخوف التقوى والورع والمبادرة والاجتهاد ؛ فإذا مال إلى حد يخرج عن حد الاعتدال وقع في القنوط وبطل العمل وذهبت فائدة الخوف ، وإذا دخل عليه الرجاء والطمع رده إلى التقوى والورع ، فالمطلوب التقوى ، وإنما الخوف والرجاء هما طريقان .