عبد العزيز الدريني
55
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
ولما احتضر مكحول ضحك وكان الغالب عليه الحزن ، فقيل له : لم ضحكت ؟ فقال دنا فراق من كنت أحذره ، ولقاء من كنت أرجوه . وقال أبو علىّ الروذباري : مات عندنا رجل فقير غريب فغسلته وصلينا عليه ووضعته في لحده فكشفت عن وجهه ليصيبه التراب . فقال يا أبا علىّ أتذلنى بين يدي من دلّلنى ؟ فقلت يا سيدي أحياة بعد موت ؟ فقال : أنا حي وكل محب للّه حىّ ، ولأنصرنك غدا بجاهى يا روذبارى . وكان علىّ بن سهل يقول لأصحابه : إني عند موتى أدعى فأجيب ، فبينما هو يمشى يوما إذ صاح لبيك ووقع ميتا . ولما احتضر خير النساج نظر إلى ناحية في البيت فقال قف عافاك اللّه فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور ، والذي أمرت به لا يفوتك ، والذي أمرت به لا يفوتني ، ثم أحرم وصلى إيماء ثم غمض عينيه ومات . ولما دفن سهل بن عبد اللّه جاء شيخ يهودي كبير فصاح أترون ما أرى ؟ قالوا ماذا ترى ؟ قال : أرى ملائكة ينزلون من السماء يتبركون بالجنازة . وقيل لذي النون وهو في النزع : أوصنا ، فقال : لا تشغلونى فإني متعجب في محاسن لطف اللّه تعالى بي . ولما احتضر مالك بن أنس قيل له : كيف أنت ؟ قال : لا أدرى ما أقول لكم ، ستعاينون من فضل اللّه وعفوه ما لم يكن لكم في حساب ، ثم مات رحمه اللّه تعالى . وروى أن أبا يزيد البسطامي عند موته بكى ثم ضحك فرؤى بعد موته ، فقيل له : رأيناك بكيت عند موتك ثم ضحكت . قال : تصور لي إبليس وقال يا أبا يزيد قفلت من شبكتى وأنت سالم فبكيت ، فنزل علىّ ملك الموت فبشرني بالجنة فضحكت . وكان أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه يمسك لسانه ويقول : هذا الذي أوردنى الموارد ، فلما مات رؤى في المنام ، فقيل له : ما الذي أوردك لسانك ؟ فقال لا إله إلا اللّه ، فأوردنى إلى الجنة .