عبد العزيز الدريني

49

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء فيتذا كرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة . وكان الحسن البصري لا يذكر في مجلسه إلا الموت والآخرة والنار . وقال أبو سفيان الثوري : رأيت في مسجد الكوفة شيخا يقول أنا منذ ثلاثين سنة في هذا المسجد أنتظر الموت أن ينزل بي ، فلو أتاني ما أمرت ولا نهيت عن شئ . ومرض أعرابىّ فقيل له إنك تموت فقال إلى أين يذهب بي ؟ قالوا إلى اللّه تعالى ، قال كيف أكره أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه ، وهذا حال من كان يتهيأ للموت ولا يشتغل بالدنيا ، فأما من كان غافلا عن الآخرة حتى يأتيه الموت على غرّة فإنما يجد لقدومه غما وحسرة . وقال وهب بن منبه : ركب ملك من الملوك فأعجبه ما هو فيه من زينة الدنيا وكثرة الغلمان والأعوان والملابس الحسان ، فامتلأتيها وكبرا ، فبينما هو كذلك إذ جاء شخص رثّ الهيئة فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، فأخذ بلجام فرسه فقال له أرسل اللجام ، فلقد تعاطيت أمرا عظيما ، فقال إن لي إليك حاجة أسرّها إليك فأدنى إليه رأسه فسارّه وقال له : أنا ملك الموت ، فتغير لونه واضطرب لسانه وقال دعني حتى أرجع إلى أهلي فأودعهم ، فقال لا واللّه لا ترى أهلك أبدا ، فقبض روحه فوقع كأنه خشبة ، ثم مضى ملك الموت فرأى عبدا مؤمنا يمشى في الطريق فسلم عليه فرد عليه السلام ، فقال إن لي إليك حاجة وسارّه وقال أنا ملك الموت ، فقال : مرحبا وأهلا بمن طالت غيبته ، واللّه ما من غائب أحب إلىّ أن ألقاه منك ، فقال ملك الموت اقض حاجتك التي خرجت إليها ، فقال واللّه ما من حاجة أحبّ إلىّ من لقاء اللّه تعالى ، قال فاختر أىّ حالة أقبض روحك عليها فقد أمرت بذلك ، فقال دعني أصلّ واقبض روحي في السجود ، فصلى فقبض روحه وهو ساجد . وقال أبو بكر بن عبد اللّه المدني : جمع رجل من بني إسرائيل أموالا كثيرة فلما