عبد العزيز الدريني
34
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
أمر الخلائق ، تحت كل ورقة منها أمة من الأمم وعليها ملائكة لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى ومقام جبرائيل في وسطها . وروى أن جبرئيل عليه الصلاة والسلام ترعد فرائصه من هيبة اللّه أحيانا ، ويخلق اللّه تعالى من كل رعدة مائة ألف ملك ، فهم صفوف قائمون ناكسو رؤوسهم ، لا يؤذن لهم في الكلام ، فإذا كان يوم القيامة أذن لهم في الكلام فقالوا كلهم لا إله إلا اللّه ، فهو قوله تعالى ( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ) فالصواب لا إله إلا اللّه . وروى أن جبرائيل له ستمائة جناح كلها مرصعة بالدر والياقوت وجلاجل الذهب محشوة بالمسك لكل جلجل صوت لا يشبه الآخر ، لو نشر جناحا من أجنحته لسدّ الأفق . وإن إسرافيل له اثنا عشر ألف جناح . جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله ، ورجلاه تحت الأرض السابعة ، وأنه إذا سبح عطل على الملائكة تسبيحهم لحسن صوته ، وأنه يتصاغر أحيانا من هيبة اللّه تعالى حتى يصير مثل العصفور فما يحمل عرش ربك إلا قدرة ربك وهذا كله في قدرة اللّه تعالى كخلق خردلة ، قال اللّه تعالى ( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) فمن نظر في المخلوقات بعين الاعتبار علم أن اللّه تعالى هو الإله الحق الأول الآخر الظاهر الباطن الواحد الأحد القدوس الصمد الحي العليم القدير المدبر السميع البصير المتكلم الملك الكبير أوّل ليس له ابتداء ، وآخر ليس له انتهاء ، ظاهر يثبته العقل ، باطن لا يدركه الوهم كل مخلوق محصور بحد مأسور في سور بطود ، والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف التعريف . أين الأزل من الزائل ، ارتفعت لعدم الشبّه الشبهة اتّخذ الأحد فهو أحد ، إنما يقع الإشكال في وصف من له الأشكال ، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال ؛ فأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال ، عظمت عظمته عن نيل كف الخيال ، كيف يقال له كيف ، والكيف في حقه محال ، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه ، كيف تحده العقول وهي فعله ، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه ، انقطع سير الفكر ، ووقف سلوك الذهن ، وقصرت إرادة الوهم ، وعجز لطف الوصف ،