عبد العزيز الدريني
30
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
عجائب الأشكال ولا بقاء للأشكال إذا صح الدليل عند الفقيه ، انظر إلى النجوم في طلوعها وارتفاعها وتوسطها وغروبها وهبوطها كل يشهد بحكمة مجريه ، والشمس في صعودها على سحائب النعم وكفت نحو الشمال وهبوطها نحو الجنوب ، والقمر في محاقه وتجليه ، والسحاب مسخرات بقدرته ، والرياح مبشّرات برحمته ، وعطشان الأرض يستسقى مولاه فيسقيه ، فإذا خرج إلى رياض توقيع الكرم وكفت عليه سحائب النعم وكفها « 1 » فاختال كل غصن يميس في تثنيه ؛ فالنسيم يحرك عيدان الأشجار ، والشوق يستنطق أطيار الأوكار ، والروض يشرق أقطار الأفكار ، فسبحان من يميته ثم يحييه . فالعاقل إذا نظر في بدائعه أدرك بسره تسبيحه لصانعه ، والغافل يشغله ويلهيه ؛ جلّ ذو العز والجبروت ، وتبارك ذو الجلال والملكوت ، فله الثناء الذي لا يصل إليه العقل ولا يحصيه . أحمده وهو أهل الحمد والثناء ، والعز والكبرياء والمجد والآلاء ، بيده الخير فهو مانحه ومعطيه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ولا نهاية لعلمه ولا معقب لحكمه ولا معارض له فيما يقضيه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شفيع الأمة وكاشف الغمة . ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) . صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ومتبعيه ، ما تبسم وجه الأرض ضاحكا بالنبات شاهدا بقدرة مبديه ، وانهمل دمع الغمام سائلا بالقطر دلالة على حكمة مبقيه . في قول اللّه تعالى : ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ، وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) . ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا ) أي يتفكروا ويتدبروا في عجائب المملكة وبدائع ما في السماوات والأرض ، ويتفكروا ما خلق اللّه من كل شئ فيجدوا فيه دلالة على حكم اللّه تعالى ، ويتفكروا في اقتراب الآجال وانقطاع الآمال فيبادروا إلى صالح الأعمال ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ) * بعد هذا القرآن يؤمنون والفكر في المصنوعات من أعظم القربات .
--> ( 1 ) بمعنى صبت عليه ماء رحمتها وهدايتها .