عبد العزيز الدريني

31

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تفكّروا في خلق اللّه ولا تفكّروا في اللّه فإنّكم لن تقدروا قدره » . وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . وقال إبراهيم بن أدهم : الفكرة حج العقل والقلب . وفي بعض كتب اللّه المنزلة : إني لست أقبل كلام كل حكيم ولكن أنظر إلى همه وهواه فإن كان همه وهواه إلىّ جعلت همته تفكرا وكلامه حمدا وإن لم يتكلم . والفكرة على ثلاثة أقسام : الأول : الفكر في المصنوعات والاستدلال بها على اللّه تعالى ، وهو شأن العلماء باللّه تعالى . والثاني : الفكر في لطائف صنع اللّه وفواضل نعم اللّه وهو مادة الشكر اللّه . والثالث : الفكر في الأعمال وتخليصها وهو شأن العابدين . قال الفضيل رحمه اللّه تعالى : الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك ؛ فأما الفكرة في المصنوعات فهو المراد في هذه الآية وأمثالها ، وأقرب المصنوعات إليك نفسك . ففي نظرك إلى خلقك وتركيبك وهيكلك وشهواتك وحواسك كفاية في الاعتبار . قال اللّه تعالى : ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ) ثم في كل جزء من المصنوعات دلالة كافية ، وعبرة شافية ، فإن اللّه تعالى كان في الأول وحده ، ثم خلق ما خلق . ويروى أن اللّه تعالى خلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء حافتاه من ياقوت أحمر ، وخلق القلم من جوهرة طوله خمسمائة عام ، ثم نظر إليه نظرة هيبة فانشق نصفين نبع منه النور ، ثم قال له اكتب ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ) فكتب ثم قال له : ( اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) فأجراه اللّه تعالى فكتب ما هو كائن وإن له ترجيعا بالتسبيح كالرعد ، وكتابته نور . ثم خلق اللّه تعالى جوهرة خضراء غلظها غلظ السماوات والأرض ، ثم ناداها فاضطربت من هيبة اللّه تعالى فذابت فصارت ماء ، ثم اضطربت فارتفع منها زبد ودخان ثم خلق اللّه تعالى العرش جوهرة خضراء ، لا يوصف عظمها ولا نورها له قوائم بين كل