عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
99
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
ولا شك أن النفوس إذا رسخ فيها حبّ المحسوسات حتى أفسد جملة جوهرها لم يبق فيها مطمع للتوجّه من هذا الطريق ، لكن لها طرق أخرى من طرق أهل الرياضة فمنها تتوصل إن سبقت لها سابقة خير . وإنما تسلك من طريق المحبة النفوس المتيقّظة القوية الإدراك بطبعها ، فإن هذه لا يرسخ فيها حبّ المحسوسات رسوخها في النفوس الضعيفة أو الجبانة . ولم يزل أئمّة الصوفية يتفرّسون في السالك إلى اللّه تعالى فإن علموه نازل الهمّة كليل الخاطر أشغلوه بظواهر العبادة من الصوم والصلاة ، فإن كان أنهض من ذلك قليلا ألزموه الفراغ والخلوة والذكر ، ولا يبيحون طريق المحبة إلا لمن تحققوه زكيّ النفس نافذ الخاطر عالي الهمّة ، ويزجرون عنها من لم يتّصف بهذه الصفة بل يحذّرونه منها صيانة بها عن غير أهلها : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : الآية 48 ] ، ولا شكّ أن الورد ينتفع به أقوام بشمّه ويضرّ بآخرين فيورثهم الزكام ، كما قيل في ذلك : [ من الخفيف ] أنا كالورد فيه راحة قوم * ثمّ فيه لآخرين زكام « 1 » تنبيه [ انه لأيّ شيء : استدِلّ بالصورة الإنسانيّة خاصّة وجُعل المعراج منها إلى الملإ الأعلى ؟ ] فإن قلت : أليس كلّ ذرّة في العالم من صنع اللّه تعالى ودالّة عليه دلالة الصنع على الصانع ؟ فلأيّ شيء استدللت بالصورة الإنسانيّة خاصّة وجعلت معراجك منها إلى الملإ الأعلى ؟ وهلّا كان نظرك هذا واعتبارك بالجمادات والنبات والحيوان غير الناطق ؟ فإن في كلّ جنس من هذه الأجناس من بديع الصنعة وغريب الحكمة ما لا يمكن العبارة عنه ، مع أن المتأمّل لهذه الأشياء لا تخشى عليه منها آفة توجب انقطاعه وانعكاسه ! فأقول : إذا ما كانت المعرفة بكمال الصانع إنما هي بقدر النظر في كمال صنعته ، والوقوف على جماله إنما هو بالوقوف على جمالها ، إذ الصنعة أدلّ شيء على صانعها ، فمن المعلوم أن عالم الخلق ينقسم إلى ثلاثة أقسام : جماد ونبات وحيوان ، والحيوان ينقسم إلى ناطق وهو الإنسان وغير ناطق وهو البهائم ، فلا شك أن الاستدلال بالنبات أكمل دلالة من الاستدلال بالجمادات ، لما في النبات من الكمالات المعدومة في الجمادات ، فإن النبات لما اعتدل اعتدالا فارق به الجماد
--> ( 1 ) هذا البيت هو لأبي الفتح البستي ، علي بن محمد بن عبد العزيز البستي ، وقد سبقت ترجمته .