عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
100
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
من أنّ فيه النموّ والاعتدال والتوليد ، وهبه اللّه تعالى من محلّ الجود الإلهي نفسا نباتية أظهرت صورته الجميلة ، فمن أجل ذلك السرّ الإلهي تبتهج النفس الإنسانية بمطالعة الأزهار الأنيقة ، وحسن نضارة الرياض الأريضة ، فتنجلي بها همومها وتنصرف عنها شجونها ، وليس ذلك إلا لما بها من آثار هذا الجمال الذي وهبها خالقها وأفاضه عليها من محلّ الجمال العلوي ، فإذا ذوت تلك النضارة وصوّحت « 1 » تلك الغضارة انصرفت النفس الإنسانية عن محبة الصور النباتية وإن بقيت أجزاؤها الجسمية على حالها ، لعدم المعنى الروحاني الزائد على الجسمية المناسب للنفس الزكية . وكذلك الاستدلال بالحيوان أكمل من الاستدلال بالنبات ، لما في الحيوان من الكمالات المعدومة في النبات ، ولهذا قبل من النفس ما هو أكمل مما قبله النبات ، واختصّ بالحواسّ الظاهرة والقوى الباطنة المدركة التي هي موادّ العلوم . فلذلك كانت النفس الإنسانية تألف الحيوان أكثر من النبات ، لوجود ما فيه من الصفات المناسبة لها أكثر مما في النبات . ولهذا نأنس بالحيوان ونلتذّ بأصوات الطيور الرخيمة ونستحسن أجياد الظبا وألحاظ المها أكثر من عيون النوّار وأغصان الأشجار ، ولذلك نجد كثيرا من الناس يحبّ شيات « 2 » الخيل وتناسب أعضائها ، وهو زائد على المنفعة المرادة منها ، وليس ذلك إلا لما فيها من جمال نفسها الحيوانية ، كما قيل : [ من الطويل ] وما الخيل إلا كالصديق قليلة * وإن كثرت في عين من لا يجرّب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها * وأعضائها فالحسن عنك مغيّب « 3 » وإنما يشير إلى حسنها النفساني . ولهذا نجد طائفة من الأمم من شدّة إفراط عشقهم لجمال الحيوان البهيمي عبدوه ، كما يحكى ذلك عن طائفة من الكفار من جهّال الأمم ، إذ لم يكن لهم نظر إلى صانعها تعالى الذي وهبها ذلك الجمال . وأما الاستدلال بالإنسان العاقل الكامل الذات ، الجميل الصفات ، فذلك أكمل
--> ( 1 ) صوّحت الرّيح البقل فتصوّح ، إذا أصابته عاهة فيبس . ( 2 ) الشّية : سواد في بياض أو بياض في سواد . وقال الجوهري وغيره : الشّية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره . ( 3 ) هذان البيتان هما من قصيدة للمتنبي بلغت 47 بيتا ، مطلعها : أغالب فيك الشوق والشوق أغلب * وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب والمتنبي سبقت الإشارة إليه .