عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
98
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
نفسه لما بها من صورة محبوبه الحقيقية ويستغني عن غيره ويستريح من ألم الفرقة وعذاب البعد لتمكّنه في مقام الاتحاد . فهذا هو العلة التي لأجلها يهجر المحبّ أطلال الجسم إذا رحل عنها الحبيب ، فيقول : [ من الكامل ] بعد النقا وفراق جيران النقى * لا أمرع الغور الغمام ولا سقى وجفت غوادي المزن وادي ضارج * والمنحنى من بعدهم لا أورقا ما النفع بالأطلال وهي عواطل * يوما إذا شمل الخليط تمزّقا ومن لم يكن بهذه الحال وانتقل من محبة شخص إلى شخص آخر ولم يحصل له هذا المقصود فقد ضيّع عمره ، وشتّت عزمه ، وأتعب نفسه ، وشقي الشقاوة العظيمة ، إذ المقصود الترقّي إلى واجب الوجود ، لا التردّد في حضيض عالم الأجسام ، أعاذنا اللّه من ذلك : [ من البسيط ] واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به * ولا حصلت على علم من الباقي يفنى الزمان وآمالي مصرّمة * مع من أحبّ على مطل وإملاق قد كنت من أملي محبوس وصلكم * فوقّع الهجر لي منكم بإطلاقي تنبيه : [ انه وجدنا كثيرا ممن تعرّض للمحبة وقف منها على محبة حسن الصورة الشخصية ] لعلك أن تقول : لا شك أن المحبة تؤثّر في النفوس من الرّقّة والصفاء ما يصلح به أن تكون سببا لحصول السعادة الأبدية ، وأفقا لشروق الأنوار الربّانية ، لكننا وجدنا كثيرا ممن تعرّض للمحبة وقف منها على محبة حسن الصورة الشخصية ولم يكن له انتقال من عوارج الجسوم حتى وافته منيّته وهو على ذلك . فنقول : إذا تقرّر أن المحبة تؤدّي بالفطن اللبيب إلى نيل السعادة فذلك شيء فيها بالذات ، وكون قوم حصلوا منها على محبّة مجرّد الجسوم لضعف آلة السلوك فيهم ، ووقفوا معها ولم يكن لهم ترقّ إلى سوى ذلك أمر عارض في المحبة لا يقدح في فضيلتها ، كما لا يقدح في فضيلة الماء العذب البارد كون قوم من الناس شربوه فشرقوا به فماتوا ، فإنّ كونه يروي العطش أمر له بذاته ، وحصول الشرق به لقوم مّا أمر عرضيّ فيه ، ولا يقدح الأمر العرضي في الذاتي . فكذلك المحبة تصفّي جوهر النفس فيحصل لها بذلك الصفاء التناسب للجواهر الروحانية ، فإذا حوذي بها شطر المحبوب انطبع فيها ، كالمرآة الصقيلة إذا حوذي بها الصورة أيّ صورة كانت . فمن كان مطلوبه الجانب الأعلى انصرفت همته إليه واستقبل شطره .