عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

97

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

أصناف النّوّار ، وبدائع أشكال الأزهار ، فإنما ذلك مما أشرق على النبات من نور جمال النفس النباتية ، وما يلوح على الحيوان من جمال أعضائه وتناسبها وحسن شكلها فإنما ذلك من نور نفسه الحيوانية ، وما يظهر على عالم الإنسان من حسن الشمائل ولطافة المعاني والحسّ الرائق الذي هو أدقّ في النفوس من السحر فإنما ذلك سرّ الجمال المشرق على تلك الأعضاء الجميلة من نور النفس الإنسانية . وجميع هذه النفوس الثلاث إنما تستمدّ نورها وجمالها من جمال العالم العلوي ، وهذه وسائطه والعالم العلوي هو ينبوع أنوار القدس ، فهذا الجمال القدسي هو المتجلي للعام علوا وسفلا بأنواره المقدّسة . لكن كل موجود يقبل من هذا النور الإلهي بقدر ما جعل الحق تعالى فيه من القبول ، فما من ذرّة في العالم إلا وقد أشرق عليها نور الحق تعالى ، لكن القبول يختلف فيها : [ من الكامل ] بالنور يظهر ما ترى من صورة * وبه وجود الكائنات بلا امترا لكنّه يخفى لفرط ظهوره * حسّا ويدركه البصير من الورى فإذا نظرت بعين عقلك لم تجد * شيئا سواه على الذوات مصوّرا وإذا طلبت حقيقة من غيره * فبذيل جهلك لم تزل متعثّرا والعارف إذا شاهد هذه الأنوار المودعة في هذه القوالب الكثيفة ونقلها البصر إلى الخيال ، ثم جرّدها الفكر من علائقها وأوضاعها الجسمية ، وأوصلها إلى النفس الناطقة فشهد بها في ذاتها بذاتها واتّحدت بها عرجت بها إلى محلّها الأعلى ، وأفق جنابها الأقدس الأسنى . ولهذا نجد من عشق شخصا حسن الصورة الآدمية تامّ المحاسن ونقل محاسن ظاهرة المجرّدة إلى نفسه الناطقة ثم غاب ذلك الشخص عن بصره مدّة ، أو لم يغب وراه بعد ذلك وقد ذهبت تلك المحاسن عن هيكله وأفلت شمس الجمال عن ظلل جسمه ، فإنّه لا يحنّ إليه كما كان أوّلا ، لأنّه ينظر إلى نفسه فيجد فيها تلك المحاسن مصوّرة على ما كانت عليه من الكمال لم تتغيّر ولم تتبدّل بل ألطف مما كانت عليه وأنسب إلى نفسه اللطيفة ، ولم يبق في الخارج منها شيء ، فيقول : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ [ يوسف : الآية 79 ] ، ويعلم حقيقة أن المعشوق إنما هو تلك الصورة المجرّدة الحاصلة عنده التي لا تقبل التبديل ولا التغيير ، لا من الخارج . وإنما كان جسم ذلك الشخص محلا لها وشرطا في حصولها حينا مّا ، وقد فارقته الآن فيحبّ