عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
90
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
بالنوم شاهدت النفس الأمور الغيبية لتفرغها عن الشغل بما تورده عليها الحواس فإنه حجب مانعة من الإدراك الغيبي ، على أن تفرّغها عند النوم عارض ، فما ظنك بفراغها إذا كان دائما مستمرّا ، فلا محالة يكون اطلاعها على الغيب أدوم ، وإخبارها عنه أصفى ، وهذا تابع لصحة الاتصال بالعالم العلوي وهو يختلف ، فإن كان الاتصال بالأنوار القدسية كان الإخبار بالغيب الكلي ، وإن كان الاتصال بالنفوس الجزئية كان الإخبار عن الغيب الجزئي ، وهو غيب المحبوب لاتصال النفس ، كما قيل : [ من الرمل ] روحه روحي وروحي روحه * إن يشأ شئت وإن شئت يشا « 1 » واتصال النفسين هو اتحادهما حتى لا يكون بينهما فرق إلا بالجسم ، والجسم زائد على ماهية النفس ، والإنسانية تعقل في الذهن دون جسم ، إذ هي معنى كلّيّ يتصوّر في النفس دون أمر زائد من شكل أو حامل وسائر الأعراض التي لحقت في الخارج ؛ ولا يفهم العقل حقيقة الإنسانية إلا مجرّدة عن هذه العوارض على ما برهن عليه في موضعه ، وفيه يقول : [ من البسيط ] يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته * أتطلب الربح فيما فيه خسران عليك بالنفس فاستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان « 2 » تنبيه : والنفوس كما سبق إذا صفت ورقّت تشبّهت بالملإ الأعلى وانتقشت فيها أمثلة الكائنات ، واطّلعت على المغيّبات ، وأثّرت في السفليات ، كما أن الحديدة المحمّاة إذا تشبّثت بالنار وتكيّفت بها صارت تؤثّر في الأجسام أثرها ، لأجل التشبّه بها ، فمن أجل ذلك كان تأثير النفوس في هذا العالم على قدر تشبّهها بالعالم الأعلى ؛ وإذا كانت النفوس بهذا الحال صحّ لها اسم الكمال الإنسانيّ ، أعني التشبّه بالعالم القدسي بحسب القسمة الإلهية والحظوة الربانيّة . وإذا وصل العارف إلى هذا الحدّ عاين الجمال الكلي الذي هو معدن الجمال الجزئيّ وعنصره
--> ( 1 ) هذا البيت هو للحسين بن منصور الحلاج ، وقد سبق ذكره . ( 2 ) هذان البيتان هما لأبي الفتح البستي علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز البستي من شعراء العصر العباسي ، وهو مجهول تاريخ الولادة . وتوفي في بلدة أوزجند ببخارى سنة ( 400 ه ) .