عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
91
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
وهام به ، فيستعدّ بذلك لإفاضة نور الحقّ الفائض من لدنه فيتوصل به إلى جمال واجب الوجود لذاته فيتلاشى في شهوده بالكلية حتى تنعدم ذاته بالجملة ، ويصير من جملة المقرّبين ، وذلك بأن يتوالى عليه إشراق نور الحقّ تعالى من فيض الجود ، وتستعدّ ذاته لقبوله بشدّة صفائها . وكلما صفت قبلت النور ، وكلما أشرق عليها النور ازدادت صفاء ، حتى تصير كلها نورا قدسيّا ، فينكشف لها عن جمال الحضرة العلية الإلهية ، وترفع لها حجب الجلال عن سبحات الجمال ، فتعاين من جمال الحضرة الإلهية « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . وكيف يطمع في فهم حقيقة ما لم يخطر على قلب بشر أو كيف يمكن العبارة عن ذلك ؟ [ من البسيط ] قد كان ما كان مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر « 1 » وعند ذلك يحصل لها من اللذة والسرور ، والابتهاج والحبور ، ما يشغلها عن النظر إلى ذاتها فضلا عن غيرها ، إذ النظر إلى ذاتها حجاب لها عن كمال المشاهدة ، فتفنى عن نفسها ، ثم ترى أن استشعارها للفناء عن نفسها شائب في صفو المشاهدة ، فتفنى عن رؤية فنائها ، فتصل بذلك إلى بقائها السرمدي الذي هو البقاء بربّها لا بذاتها ، إذ ذاتها فانية ، وذلك غاية قدسها ونعيمها ، وتسمع الكلام الإلهي : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : الآيات 27 - 30 ] ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : الآية 73 ] . فهذه صفة عباد اللّه المقرّبين الذين لا يشغلهم عن مشاهدة أنوار جمال اللّه وجلاله شاغل . ومن لم يسمع هذا النداء في هذه الدار لم يسمعه غدا في دار القرار إذ السابقة على وفق اللاحقة . فإذا تمت هذه الحالة التي تسمى الفناء ، وعدم من النفس الميل إلى الخلق بالكلية وتجلّى لها الحقّ بصفة جلاله وجماله ، وشهدته على الحقيقة موصوفا بالصفة التي تليق بكماله ، فحينئذ يصحّ الوصول وتكمل السعادة القصوى . فإذا شهد العارفون الحقّ على ما هو عليه بعدم ذواتهم من غير
--> ( 1 ) هذا البيت هو لابن المعتز ، عبد اللّه بن محمد المعتز باللّه ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي ، أبو العباس ، ولي الخلافة مدة يوم وليلة ، ولد سنة 247 ه ، وتوفي سنة 296 ه .