عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

89

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

ولقائل أن يقول : كيف تدبّر النفس الواحدة جسدين أحدهما جسد العاشق والثاني جسد المعشوق ، ولو كان ذلك صحيحا لكان جميع العلوم والأعراض النفسانية فيهما متساوية وذلك غير ممكن ؟ فاعلم حينئذ أن جسد العاشق لا تدبّره النفس الناطقة ولا يظهر نورها عليه وإنما تدبّره النفس الحيوانية لا غير من أجل جسمه الحيّ ، فإن العشق إذا استولى على صاحبه تركه ذاهلا شبه المغشيّ عليه لا يسمع ولا يبصر إلا حبيبه ، به يسمع وبه يبصر ، وكأنّه في عالم خاصّ به هو فيه موجود بحبيبه فإن عن نفسه ، ولذلك يفرّ عن كل شاغل ولا يألف الناس إذ لا شركة له معهم في الجزء الخاصّ به الذي هو نسبة الألفة ، بل يكون في سائر أحواله معرضا عن أحوال العقلاء شبه المجنون ، كما قالوا : « العشق جنون إلهيّ » ، وإذا كان العشق جنونا فالجنون فنون ، كما قيل : [ من الكامل ] ولقيت في حبّك ما لم يلقه * في حبّ ليلى قيسها المجنون لكنني لم أتّبع وحش الفلا * كفعال قيس والجنون فنون وكما قيل أيضا : [ من البسيط ] قالت جننت على رأسي فقلت لها * العشق أعظم مما بالمجانين العشق ليس يفيق الدهر صاحبه * وإنما يصرع المجنون في الحين « 1 » تنبيه : ومقام العشق أقصى مقامات الذهول والغيبة عن الحسّ والاتصال بالعالم الروحاني ، فإذا وصل الإنسان إلى هذا الحدّ من الغيبة عن نفسه اطّلع على أسرار الغيوب وأخبر بها معاينة لا على سبيل الحدس وغلبات الظنون ، بل على الكشف والمشاهدة ، إذ لا مانع للنفس من مشاهدة الغيب إلا الاشتغال بشغل الحواسّ وتصرّفها في العالم الأسفل . ونحن نجد الحواسّ الظاهرة إذا حبست

--> ( 1 ) هذان البيتان لأبي نواس ، الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن صباح الحكمي وقد سبق ذكره ووردت الأبيات في ديوانه على النحو التالي : مكنون سيّدتي جودي لمحزون * متيّم بأليف الحبّ مقرون قالت جننت على رأيي فقلت لها * الحبّ أعظم ممّا بالمجانين الحبّ ليس يفيق الدّهر صاحبه * وإنّما يصرع المجنون في الحين