عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
88
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
تنبيه : ولا شك أن نسبة العشق هي أمّ جميع النسب العلوية والسفلية ، ولولاها لم يكن في العالم حركة ولا متحرك ولا كامل ولا مكمّل ، فإن كل جوهر نورانيّ في العالم العلوي إمّا عاشق أو معشوق ، فسرت من ذلك نسبة العشق في جميع الكائنات حتى في الأجسام الحجرية ، فإنّا نجد بعضها يجذب بعضا بقوّة عشقيّة خفية عن أذهان البشر ، كما قيل : [ من الطويل ] فوا عجبا للدهر لم يخل مهجة * من العشق حتى الماء يعشقه الخمر واعلم أنّه ليس في العالم شيء إلا وله مغناطيس يجذبه لطيفا كان أو كثيفا ومغناطيس النفوس شعاع نور الجمال فلهذا كان تعاشق الأرواح انجذاب بعضها إلى بعض حتى تتّحد كما أن اتحاد الأجسام امتزاج أجزائها بحيث يستحيل تمييزها ، كامتزاج الماء بالماء والهواء بالهواء والنار بالنار ، إذ كان كل واحد منهما مجرّدا عما ليس من جوهره ، والنار ألطف هذه الأجسام العنصرية ، ولهذا تتّقد في باطن الحديد ولا تدرك بحاسّة البصر ، فإن تشبّثت بجسم ير الجسم دونها لتكيّفه بها ، فما ظنّك بامتزاج النور بالنور ، فإن الأرواح أنوار مجرّدة فامتزاجها على غير امتزاج الأجسام بل اتحاد عقلي لا نسبة بينه وبين ما في الخارج لا تعلم حقيقته من النطق بل بالذوق : [ من الكامل ] رقّ الزجاج ورقّت الخمر * وتشاكلا فتشابه الأمر فكأنّما خمر ولا قدح * وكأنّما قدح ولا خمر « 1 » ومما يدلّك على صحة اتصال النفوس الجزئية بعضها ببعض ما نجده كثيرا من موت أحد المتعاشقين بإثر موت الآخر لأن نفسهما الناطقة واحدة ، والواحد لا يتجزّأ فيموت بعضه ويبقى بعضه ، إذ هو جوهر لا تركيب فيه ، على أن الموت إنما هو انقطاع تدبير النفس عن البدن ، فالميّت على الحقيقة الجسم لا النفس .
--> ( 1 ) هذان البيتان هما للسهروردي المقتول ، أبو الفتوح يحيى بن حبش الحكيم شهاب الدين السهروردي ، وله من المؤلّفات « حكمة الإشراق » و « هياكل النور » و « التنقيحات والتلويحات » . ولد سنة 549 ه ، ومات قتلا سنة 587 ه في عهد الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين .