عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

82

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

بها بشر ، كما قيل : [ من الطويل ] فما هو إلا أن أراها فجاءة * فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر وأما أهل التمكين في الأحوال فلا يقع فيهم هذا الأثر لاحتمالهم لهذه الواردات وقوّتهم عليها ، كما كانت امرأة العزيز حيث لم تقطع يدها كما فعلن صواحبها ، فإن هذا الأثر إنما يحدث عند ورود هذه الغواشي على معنى الفجاءة من غير توطين نفس ، كما أنّ من ولد مكفوف البصر وأقام كذلك مدة من عمره ثم أبصر دفعة واحدة وعاين ذوات الأشياء يحصل عنده منها ما يحصل عند من لم يشاهدها حتى فجأته . ولهذا لا يتأثر الإنسان إلا عند رؤية شكل غريب ، وهو يشاهد السماوات والأرض وما بينهما من العجائب ولا يتأثّر ، فالعارفون يشاهدون معروفهم على الدوام في جميع الذوات ويتجلّى لهم في جميع الموجودات وعلى جميع الحالات فلا يرون سواه ولا يلاحظون في الكون حاشاه ، بل لا يلاحظون ذواتهم إلا من حيث هي ملاحظة لمحبوبهم : [ من الطويل ] أرى كلّ شيء لاح للعين مرآه * أشاهد فيه وجه من أنا أهواه فهل عاشق إلا لوجهك عشقه * وهل نفس إلا سرى منك ريّاه فلا ذاكر إلا لأجلك ذكره * ولا راحل إلا لقصدك مسراه ولا شيء إلا أنت فيه ممثّل * مقيم وإن لاحت لعينيّ أشباه هذا مذهب المحققين ، ومن ادّعى ذرّة من هذا المقام ورأى أن في العالم من هو أكمل من محبوبه ذاتا أو صفات فقد خرج عن حكم المحبة . كما حكي : أن بعض الناس ادّعى محبّة جارية فجعل يوما يعاتبها وهما على سطح عال فقالت له : لو رأيت أختي فإنها أجمل مني ! فقال لها : وأين هي ؟ فأشارت له إلى ناحية ، فلما نظر إلى تلك الناحية ألقته من أعلى السطح وقالت : من يدّعي هوانا ، لا ينظر إلى سوانا . ولهذا قال عليه السلام : « حبّك الشيء يعمي ويصمّ » « 1 » . أي يعمي عن النظر إلى سوى المحبوب ويصمّ عن الاستماع لغير حديثه ومناجاته .

--> ( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، باب في الهوى ، حديث رقم ( 5130 ) ( 4 / 334 ) ، والطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه عبد اللّه ، حديث رقم ( 4359 ) ( 4 / 334 ) ورواه غيرهما .