عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

83

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

[ الغيبة عن الصور الجسمانية لعشق مجرّد الكمال ] تنبيه : وأما ما ذكرناه من الغيبة عن الصور الجسمانية لعشق مجرّد الكمال فيدلّ عليه ما حكي أن رجلا عشق جارية ثم بعد مدة ذهبت إحدى عينيها وهو لا يشعر بها ، فلما كان بعد زمان طويل اطّلع على ذلك منها فسألها عنه فقالت : أو ما رأيته قبل هذا ؟ قال : لا ، فقالت له : لما كنت تنظر إليّ بعين المحبة التي لا تشاهد إلا الكمال لم يظهر لك مني نقص وأما الآن فقد ذهبت تلك المحبة . وفي ذلك قيل : [ من الطويل ] وعين الرضى عن كلّ عيب كليلة * ولكنّ عين السخط تبدي المساويا « 1 » ومن أرباب هذا الشأن من يغلب عليه مشاهدة أنوار الجمال فيغيّبه ذلك عن مشاهدة ظاهر الصور ، بل لا ينظر إليها لأنها توجب عنده التفرقة وتخرجه عن حضرة الشهود . كما حكي أن ليلى العامرية ضمّت قيسا المجنون إلى نفسها ، فنظر إليها ، وقال لها : « إليك عني ! فإن الذي بي منك أشغلني عنك » استغراقا منه في مشاهدة صورة جمالها الباطنة المصوّرة في ذاته بحيث لم يبق فيه متّسع لصورتها الخارجة ، إذ الصورة الباطنة هي في الحقيقة المناسبة للنفس بل هي عنده ، والصورة الخارجة حجاب عنها وإن كانت أوّلا شرطا في حصولها . وهذا غاية الحضور وهو الذي يسمّى الفناء في المشاهدة ، لأن الاشتغال برؤية السبب الخارج يمنع من كمال مشاهدة الجمال الحاصل في الباطن وكأنهما متغايران بوجه مّا ، وما عدا المقصود حجاب عنه ، فلهذا كان في هذا المقام حجابا ما كان قبله شرطا إلا أنّ بعض العارفين تجلّى لهم الحق تعالى في كل شيء فلا يحجبهم عنه حجاب : [ من الطويل ] تصوّركم نفسي على كلّ جوهر * فلم أر إلا أنتم حيث أنظر

--> ( 1 ) هذا البيت هو لعبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة 127 ه ، مات سنة 129 ه ، ونسب هذا البيت أيضا للإمام الشافعي محمد بن إدريس وكنيته أبو عبد اللّه وهو أحد الأئمة الأربعة عند أهل السّنّة ، ولد سنة 150 ه ، وتوفي سنة 204 ه .