عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
81
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
باطنة ، كما قيل : [ من الطويل ] فلو بسطت جسمي رأت كل جوهر * به كلّ قلب فيه كلّ غرام « 1 » وهذا على المسامحة وإلا فالجسم بمجرّده لا يدرك شيئا ، وإنما الإدراك للنفس وهي لا تتجزأ ولا تنقسم ، إذ ذاك من عوارض الأجسام ، وإنما يكون إدراك المحبّ بكليته التي لا تنقسم ، كما قيل : [ من الطويل ] إذا ما تجلّى لي فكلّي نواظر * وإن هو ناجاني فكلّي مسامع حكي أن مجنون بني عامر مرّ بظبية قد حلّت في حبالة قانص فعاين فيها مشابه من ليلى فرآها بعين ليلى فأطلقها وقال : [ من الوافر ] تروّح سالما يا شبه ليلى * قرير العين واستطب البقولا فليلى أنقذتك من المنايا * وفكّت عن قوائمك الكبولا فرأى أن اليد التي أطلقت الظبية يد ليلى لصدور الفعل عنده عن نفس واحدة فناء منه عن جملته في مشاهدة محبوبه . وحكي أيضا أن بعض المحبين عشق جارية له فمرضت فصنع لها حسوا وأخذ يحرّكه وهو على النار بملعقة كانت في يده ، فصاحت الجارية آه فدهش الرجل وذهل عن نفسه ، وسقط ما كان في يده فجعل يحرّك بأصابعه في القدر حتى سقطت أصابعه وهو لا يشعر ، فنظرت إليه الجارية وهو على تلك الحال فقالت له : ما هذا يا سيدي ؟ فقال : هذا من قولك آه . فهذا غاية الغيبة عن الإحساس في مشاهدة المحبوب . وقد أخبر اللّه تعالى بذلك عن نسوة مصر حين قطعن أيديهنّ عند استغراقهنّ في مشاهدة صورة يوسف ولم يشعرن به ولا وجدن له ألما وعن ذهولهنّ حيث قلن ما هذا بَشَراً [ يوسف : الآية 31 ] وقد كان بشرا ، وتصوّرنه ملكا كريما ولم يكن ملكا لكن إنما شهدن منه الصورة الباطنة التي هو بها ملك لا الظاهرة التي هو
--> ( 1 ) هذا البيت هو لابن الفارض عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ، شاعر متصوّف يلقّب بسلطان العاشقين ، اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره ( ولد سنة 576 ه - وتوفي سنة 632 ه ) .