عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

80

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

قيل لبعض العارفين وهو في النزع : قل لا إله إلا اللّه ! فقال : أليس إليه أعود ؟ وقيل لآخر وهو يجود بنفسه : قل لا إله إلا اللّه ! فأنشد : [ من الخفيف ] أنا إن متّ فالهوى حشو قلبي * وبداء الهوى يموت الكرام وإذا كانت الغيبة عن الحبيب غير ممكنة هنا فطلب رؤية الظاهر إقرار بالحجاب . ولهذا قيل في حقّ نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : الآية 11 ] لأنّه كان أتمّ مقاما من موسى عليه السلام هذا في حق الأنبياء الذين هم مخصوصون بالكمال فهم أهل الحضور على الدوام ، وأما من دونهم من الأولياء فإنما يتصوّر لهم هذا في أوقات عزيزة الوجود ولا يتمكّنون من دوام المشاهدة إلا بعد فراق هذه الجسوم في حضرة القدس ، إما بالموت الحسّيّ وهو الأكثر وإما في حال الحياة عند الانسلاخ عن قوى الأبدان والتجرّد بالكلية وهو نادر ، وأما من دون هؤلاء من سالكي المحبّين فإنهم يجدون في رؤية الظاهر المذكرة بمحبوبهم زيادة معنى تشوقهم إلى الجمال المودّع في الذوات الجميلة الذي هو من تجلّي عالم الجمال الكلي ، فلهذا يطلبون رؤية المذكرات والموصلات إلى ذلك العالم ، والمعاينة الظاهرة هي الباب لهذا الجناب كما قيل : [ من الوافر ] لئن أصبحت مرتحلا بجسمي * فقلبي عندكم أبدا مقيم ولكن للعيان لطيف معنى * له سأل المعاينة الكليم قاعدة [ أن كل مقام فهو كمال بالإضافة إلى ما دونه ] : واعلم أن كل مقام فهو كمال بالإضافة إلى ما دونه ونقص بالإضافة إلى ما فوقه ، ولهذا قالوا : « حسنات الأبرار سيئات المقرّبين » . وللإنسان حالتان : حالة يكون فيها فانيا عن نفسه موجودا بوجود محبوبه وتسمّى حالة الجمع لأنّه إذا فني عن نفسه فقد فني عن سائر العالم إذ نفسه أقرب الأشياء إليه ، وحالة يكون فيها ناظرا إلى نفسه وتسمّى حالة التفرقة . ومن حصل في حالة الجمع رأى محبوبه في كل شيء وسمع كلامه من كل شيء ، ولا يختصّ إدراكه له بشيء دون شيء بل لا يبقى فيه جزء وهو خال عن حبيبه لأنّ محلّ الإدراك منه لا يتجزّأ فيدرك منه جزءا دون جزء ، بل يعتقد في تلك الحال أنّه يشاهد محبوبه بكلّ ذرّة فيه ظاهرة أو