عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
79
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
فأما قول القائل : [ من الوافر ] أحبّك لا أحبّك للثّواب * ولكنّي أحبّك للعقاب وكلّ مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب وهذا القول إن لم يكن ظهر من سكر فليس بكمال ، بل هو قصور عن المطلوب من الحقيقة ، فإن الذات الواحدة يتساوى كل صادر عنها بالنظر إلى ذاتها الجميلة المتحدة لا بالنظر إلى ذوات الأفعال ، فالعقاب والثواب إذا رضي بهما المحبوب سيّان ، على أن المحب إذا اتّحدت ذاته بذات محبوبه محال أن يرى صورة العقاب لاعتقاده أن ذاته هي ذات محبوبه وكيف يعاقب الإنسان ذاته ؟ ولا اعتبار عنده بالصورة الخارجة لأنها غير مناسبة والاعتبار بالمناسبة أولى ، لأنّه أقرب وأكثر خصوصية بالقلب ، ولهذا أقرّ هذا القائل على نفسه بعدم وجود هذه اللذة للعذاب كما وجدها بالثواب ، ولا يتصوّر أن يرى المحب الهجر والعذاب وسائر الأفعال المتضادّة حسّا متغايرة لأن الفعل لا يكون إلا متعلّقا باثنين فيكون أحدهما فاعلا والآخر قابلا ، وهو خلاف الاتحاد ، على أن الاتحاد أمر عقليّ في الذهن لا في الخارج . قيل للحسين بن منصور الحلاج : أيصبر المحب عن محبوبه ؟ فقال : يستحيل صبر الشيء عن نفسه ، إذا صدقت المحبة تمازجت الكلية فاستحال الفراق ، وأنشد : [ من الرمل ] ما تصبّرت وهل يص * بر جسمي عن فؤادي مازجت روحك روحي في * دنوّي وبعادي فأنا أنت كما أنّ * ك أنّي ومرادي وحكي أن الوشاة ذكروا ليلى عند قيس المجنون فغضب وقال : ما افترقنا قط ، أنا ليلى وليلى أنا وكيف ينسى المرء نفسه ؟ فالذكر في محلّ الحضور عيب لأنّه يؤذن بالفرقة وهي محال ، كما قيل : [ من البسيط ] ما إن ذكرتك إلا همّ يبعدني * نطقي وفكري وذكري عند ذكراكا حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي : * إيّاك ويحك والتذكار إيّاكا أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده * وواصل الكلّ من معناه معناكا