عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

78

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وعند البلوغ إلى هذا الحدّ من التجرّد يذهب كثير من المقامات والأحوال ، وإن كانت قبل هذا شرطا في السلوك إلى المحبوب ، فتصير حجابا ، كالشوق الذي معناه حركة القلب إلى نيل مطلوبه ، لأنّه إذا بلغ المحبّ إلى الكشف والعيان ذهب شوقه ، كما قيل : [ من الوافر ] ولا معنى لشكوى الشوق يوما * إلى من لا يزول عن العيان وكالرضى ، فإن الرضى له معنيان : أحدهما تحمّل الألم لما يرجى لأجله من الثواب ، والثاني الغيبة عن الألم بمعاينة الجزاء عليه ، وفي التحقيق ليس للألم عند المحبّ وجود وليس إلا محض اللذة في جميع ما يصدر عن المحبوب ، كما قيل : [ من البسيط ] وكلّ ما يفعل المحبوب محبوب وإذا كان الرضى حجابا فالصبر أحرى أن يكون حجابا ، وكذلك أيضا الخوف والرجاء لغيبة المحبّ عن ذلك بشهود عين الجمع ، وأما الأحوال مثل الفصل والوصل ، والقرب والبعد ، والغيبة والحجاب ، والذكر والنسيان ، فلا تستعمل هنا لتنزيه هذا المقام عنها ، إذ كلها عوارض تشعر بالانفصال ، واستعمالها مجازا لا جدوى له ولا غنى فيه : [ من الكامل ] وإذا الديار تعرّضت لمتيّم * لم يبق لا ذكر ولا نسيان خذ من عيونهم الأمان وهل لمن * حمل الغرام من العيون أمان وعند الوصول إلى هذا الحدّ من التجريد تغلب صورة المحبة على المحب فتصفى ذاته من الشوائب العرضية ، فإذا كمل صفاؤها يصير مرآة نوريّة مهيّأة لما يرد عليها من محبوبها من الصور الجميلة ، فيلاحظها بعين الكمال اللائق بكمال المحبوب ويتنعّم بجميعها ، لأنّه يراها واحدة وإن تكثرت في الخارج ، نظرا إلى صدورها من ذات واحدة ، لا نظرا إلى ذواتها في أنفسها ، إذ التفرقة تصرف عن لذة المشاهدة وتعقب الشتات بعد الجمع ، والجمع أتمّ ، كما قيل : [ من المجتث ] أجلّ ما منك يبدو * لأنّه عنك جلّى وأنت يا نور قلبي * أجلّ من أن تجلّى أفنيتني عن جميعي * فكيف أرعى المجلّى