عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

55

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وذلك بالتخلّق بصفاته المعنوية من العلم والإحسان والرحمة واللطف وجميع النعوت التي أذن لنا في التخلّق بها ، وليس القرب من اللّه تعالى على معنى قرب الأجسام . وأما السرّ الذي لا يجوز شرحه ولا كشفه فهو المناسبة الباطنة التي يومىء إليها قوله تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : الآية 26 ] فالخلافة لا تكون إلا باشتراك باطن ومناسبة باطنة بينهما ، وقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] ، وإنما استوجب الخلافة بذلك النفخ الإلهي ، وقال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] والأمر الرباني لا يمكن الاطلاع على حقيقته . وإلى هذا يشير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » وإنما أراد الصورة الباطنة المعنوية لا الظاهرة التي تكون للأجسام تعالى اللّه عن ذلك ، وقوله : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » « 2 » . وقال تعالى فيما أوحى به إلى بعض أنبيائه : « يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، فقال : وكيف ذلك ؟ قال : مرض عبدي فلان فلو عدته عدتني » « 3 » . وهذه الإشارات كلها يجب أن لا تشرح حقائقها لغير أهلها بل تترك تحت حجاب الغيرة حتى يصل إليها أهلها في أطوار أذواقهم . وإذا لم تجتمع هذه الأسباب كلها على الحقيقة إلا في الحقّ تعالى ، فلا محبوب على الحقيقة إلا هو ولا مطلوب سواه ، وكل محبة لغيره

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب بدء السلام ، حديث رقم ( 5873 ) ( 5 / 2299 ) ، ومسلم في صحيحه باب النهي عن ضرب الوجه حديث رقم ( 2612 ) ( 4 / 2017 ) ، ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6137 ) ( 5 / 2384 ) ، وابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عمّا يجب على المرء من الثقة باللّه . . . ، حديث رقم ( 347 ) ( 2 / 58 ) ، ورواه غيرهما . ( 3 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب فضل عيادة المريض ، حديث رقم ( 2569 ) ( 4 / 1991 ) ، وابن حبّان في صحيحه ، ذكر الخبر الدّالّ . . . ، حديث رقم ( 944 ) ( 3 / 224 ) ، ورواه غيرهما . ونص رواية مسلم هي : عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عزّ وجلّ يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . قال : يا رب كيف أعودك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ! يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا ربّ وكيف أطعمك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما عملت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ! أما عملت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ! يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني . قال : يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ! » .