عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
54
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
يستطيبها غيره ، وكذلك يكره طعم شيء أو رائحته لا يكرههما غيره ، كل ذلك بحسب موافقته المعنوية له أو مخالفته ، كما قيل : [ من الكامل ] ولقد نظرت إلى الملاح فلم أجد * قلبي يحبّ من الملاح سواه شيء به تسبى العقول سوى الذي * يسبي الجمال ولست أعلم ما هو « 1 » وإذا تقرّر أن المحبة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة أعني محبّة الإحسان التي حاصلها يرجع إلى محبة الإنسان ذاته ، ومحبة الجمال والكمال اللذان يرجعان إلى محبة ذات المحبوب ، ومحبة المناسبة ، فمن المعلوم أن من اجتمعت فيه هذه الخلال كلها على التمام كانت المحبة له أشدّ والتعلق به أكمل ، مثل أن يكون محسنا دائم الإحسان كامل الذات جميل الصفات بينه وبين المحب مناسبة معنوية تدعو النفس إليه ، فلا محالة أن هذا يحبّ بالضرورة ، إلا أن هذه الصفات لا توجد حقيقة على كمالها إلا في حق البارىء سبحانه ، وإنما توجد في سواه على طريق المجاز . أما الإحسان فهو المحسن على الحقيقة وكلّ إحسان في العالم من لدنه وجد وهو واهبه وخالقه وإذا كان الإحسان محبوبا لأنّه يستعان به على دوام الوجود والبقاء وقتا مّا فالحقّ تعالى هو معطي جميع الأشياء الوجود والبقاء دائما ، وأما الجمال والكمال فقد تقرّر أن الكمال اجتماع الصفات المكملة للذوات وهي كلها ترجع إلى العلم والقدرة والحق تعالى هو العالم بجميع المعلومات على تفاصيلها فما من كلّيّ ولا جزئيّ إلا وأحاط به علما ، وكذلك قدرته تعالى شاملة لجميع المقدورات . وأما جماله سبحانه فقد عمّ جميع الموجودات ، فكل جمال في العالم العلويّ والسفليّ فمنه ظهر وبه وجد وعنه أشرق على سائر الذوات ، وما تفرّق في جميع ذوات الوجود من الجمال فهو مستعار منه وموهوب عنه ، وكل جمال بالإضافة إلى جماله نقص محض ، إذ لا يعطي الجمال إلا من هو أجمل منه ، بل هو القيّوم الذي قامت به سائر ذوات الموجودات . وأما المناسبة والشاكلة فهي تنقسم إلى ما يمكن كشف سرّه وإلى ما لا يمكن كشفه . أما ما يمكن كشفه فإن المناسبة التي بين العبد وربه فإنما هي مناسبة القرب
--> ( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري ، أبو بكر ( المولود سنة 255 ه - والمتوفّى سنة 297 ه ) .