عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
53
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
هؤلاء عشقية ، فإن كل متلازمين في العالم إنما تلازما بأمر عشقي كان ذلك ظاهرا أو باطنا . والعلة التي من أجلها تآلفت الأنواع بأنواعها والأجناس بأجناسها أن النفس المحركة للجنس الواحد واحدة بالجنس ، والنفس المحركة للنوع الواحد واحدة بالنوع ، ومن أجل تنوّع النفس تنوّعت الأشخاص إذ الأشخاص تابعة للنفوس ، وكلّما انحطّت الأنواع إلى الأشخاص كانت المناسبة أشدّ ، فإن كانت هذه النسبة جوهرية دام التآلف بين المتحابّين وإن كانت عرضية لم يطل التآلف بينهما وافترقا ، وكذلك العداوة . ولهذا قيل : « لا صداقة أثبت من صداقة اتّفاق الجواهر ولا عدواة أشدّ من عداوة اختلاف الجواهر » . ولهذا قيل : [ من السريع ] وقائل : كيف تفرّقتما * فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته * والنّاس أشكال وألّاف وقد نجد الاتفاق كثيرا ما يقع بين اثنين وليسا هما من نوع واحد ، كما نجد الاختلاف يقع بينهما وهما من نوع واحد وهذا توجبه أسباب عرضية كما قدّمناه ، والغالب زوال هذه المحبة إلا أن تجتمع لها أسباب كثيرة خفية عنّا توجب بقاءها . وقال بعض العلماء : « إن النفوس خلقت شبه دوائر وقسمت كل دائرة منها بين شخصين فكل واحد في العالم يطلب الشخص الذي به تكمل دائرة نفسه » . ولهذا القول معنى غير ما يعطيه ظاهر اللفظ ، إذ يستحيل على النفوس الإنسانية التجزّؤ والانقسام لأنها ليست جرميّة والانقسام من عوارض الأجسام ، وإنما يعني تناسب المحلّ فيهما واستعداده لقبول واحد ، وهذا أيضا فيه نظر ، والصحيح ما قرّرناه أوّلا من أن الصورتين تتقاربان في الاستعداد حتى يظنّ أن استعدادهما واحد ، فإمّا أن تكون هذه المناسبة بالفطرة الأولى وإما أن يصلا إليها بعد أطوار من الرياضة حتى لا يكون بينهما إلا عارض خفيّ عن الأذهان ، ولا تعلم الكيفية في ذلك حقيقة إلا بالذوق . ومثال المناسبة الخفية أنّا نجد شخصا يحبّ آخر ليس من صنفه وليس فيه أمارة ظاهرة مما قدّمناه توجب له عشقه . فهذه المحبة خاصية في جملة جوهر النفس لا يعبّر عنها لسان ، ولا يطمع في فهمها خاطر ولا جنان . ولذلك نجد كثيرا من الناس يلذّ طعم شيء لا يلذّه غيره ولا يوافقه ، ويستطيب رائحة لا