عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
52
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
وإلى هذه الإشارة بقوله عليه السلام : « الأرواح أجناد مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 1 » ، ويعني بقوله أجناد مجنّدة أي أنواعا وأشكالا ، وأراد بالتعارف المناسبة فما تناسب من النوع الواحد تآلف وما لا يتّفق في النوع تنافر ، لأنّه لا مناسبة إذا اختلفت الأنواع فلا تآلف . ولهذا نجد كل نوع من الحيوان يحنّ إلى نوعه كما نجد كل صنف من الناس يحنّ إلى صنفه ، فمن الناس ميل العالم إلى العالم والجاهل إلى الجاهل والملك إلى الملك والسوقة إلى السوقة والتاجر إلى التاجر والفلّاح إلى الفلّاح والصانع إلى من يشاركه في صناعته تلك ، حتى إن الصبيّ يحنّ إلى الصبيّ والشيخ إلى الشيخ ، وكذا في الحيوان غير الناطق مثل الحمام إلى الحمام والغراب إلى الغراب والوحشيّ إلى الوحشيّ والإنسيّ إلى الإنسيّ . وقد تتّفق مناسبة هي أبعد من هذه في أمور عرضية مثل ما يألف الغريب الغريب والمريض المريض والحزين الحزين والمحبّ المحبّ . ولقد حكي أن غرابا كان يألف حمامة ألفة شديدة فيطير معها إذا طارت ويسرح معها إذا سرحت فنظر إلى السبب في تلازم اثنين من غير نوع واحد فوجد كل واحد منهما أعرج فعلم أن نسبة العرج هي الجامعة بينهما . وكذا نجد كل ما في العالم من مؤتلفين إنما ألّفت بينهما نسبة خاصية إما عرضية أو جوهرية خفية أو جلية ، حتى نجد هذا التعاشق بين الجمادات مثل الحديد ينجذب للمغناطيس ، وعيون الأفاعي تنسلب لحجر الزمرد ، والتبر ينجذب للقهربا ، والزئبق لبرادة الذهب . وقال بعض الحكماء : « لكل شيء في العالم مغناطيس يجذبه وضدّ ينافره » ، ولهذا قالوا : « الأشكال لاحقة بأشكالها » وقالوا : « القلوب تأنس لمن تجانس وشكل الشيء منجذب إليه » ، كما قيل : [ من الطويل ] إلى الملإ الأعلى سموت بهمّتي * كذلك شأن الشكل للشكل يجنح وقال بعضهم : « كل جوهر في العالم العلوي والسفلي إما عاشق وإما معشوق » يعني عاشق لمن فوقه ومعشوق لمن تحته حتى إن حركة الفلك عند
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الأرواح جنود مجنّدة ، حديث رقم ( 3158 ) ( 3 / 1213 ) ، ومسلم في صحيحه ، باب الأرواح جنود مجنّدة ، حديث رقم ( 2638 ) ( 4 / 2031 ) ، ورواه غيرهما .