عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

46

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

عن السهم والسيف ، وقيل : [ من البسيط ] إنّ العيون التي في طرفها حور * يقتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك له * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا « 1 » يعني أن جوهر هذا العضو لا يفعل بمجرّده هذا التأثير كله في النفس الإنسانية على ضعف أركانه وإنما يفعله بشيء زائد على الجسمية وهو سرّ الجمال الذي جوهره مؤثّر في جوهر النفس على ما قدّمناه . ولهذا لو فرضنا صورة إنسانية على أتمّ شكل وأكمل هيئة وألطفها من جسم لا تحلّه الحياة ولا يشرق عليه نور النفس لم يكن للقلب علاقة بتلك الصورة ولو كانت على أتمّ ما ينبغي من الأحكام ، اللهم إلا أن تكون مذكرة بجمال من هي مثال له من الذوات الحيّة الجميلة : [ من الطويل ] وقد قلتما لي ليس في الأرض جنّة * أما هذه فوق الركائب حورها يقول خليلي والظّباء سوانح * أهذا الذي تهوى فقلت نظيرها لئن شابهت أجيادها وعيونها * لقد خالفت أعجازها وصدورها أراك الجمى ! قل لي بأيّ وسيلة * توسّلت حتى قبّلتك ثغورها « 2 » فقد صحّ أن الجمال الظاهر هو المعنى اللائح على الهياكل الإنسانية التي في غاية كمال الشكل وتمام الهيئة . [ الجمال الباطن ] فصل : وأما الجمال الباطن فهو ما تفيده الأنوار القدسية الإلهية إذا أشرقت على العقول الزكيّة من الاتّصاف بأنواع العلوم الدينية وأسرار المعارف الربّانية

--> ( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر الأموي جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي ، أبو حزرة ، من تميم ( المولود سنة 28 ه - والمتوفّى سنة 110 ه ) ، كان أشعر أهل عصره ، ولد ومات في اليمامة وعاش عمره كله في سجال مع شعراء عصره ولم يصمد أمام شعره سوى الفرزدق والأخطل . ( 2 ) البيت الأول من هذه الأبيات هو للشاعر الفاطمي صردر بن صربعر ، علي بن الحسن بن علي بن الفضل البغدادي أبو منصور كان يقال لأبيه صرّبعر لبخله ، وانتقل إليه اللقب حتى قال له نظام الملك أنت صرّدّر لا صربعر ، قال الذهبي عنه : لم يكن في المتأخرين أرقّ طبعا منه مع جزالة وبلاغة .