عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

47

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

المؤدّية إلى المحبة الحقيقية وسائر الكمالات والفضائل . ولا يدرك هذا الجمال إلا العقول التي هي في غاية الصفاء المستنيرة من أنوار اللّه التي تكون سببا لحصول محبّة الحق تعالى بجملة القلب . فإذا تجلّى هذا الجمال القدسيّ من الأفق الأعلى على القلب المطهّر عن نجاسة الطبع وشاهدته النفوس في ذاتها ابتهجت به ابتهاجا شديدا ، وحصل لها بتلك المشاهدة لذّة لا تقاس بها لذّات الحواسّ ، فإن لذّات الحواسّ إنما كمالها بحسب كمال الحاسّة التي بها أدركت ، وكمال الحواسّ بحسب صفاء مادّتها من الروح الحيواني الذي هو قوة الجسم . وكما لا نسبة بين قوى الجسم ونور العقل فكذلك لا نسبة بين لذّات الحواسّ ولذّات العقل ، فإن الحواسّ إنما تدرك بإشراق نور النفس الحيواني عليها ، والنفس الحيوانية إنما تدرك بإشراق نور النفس الإنسانية ، والإنسانية بإشراق نور العقل عليها ، والكلّ يستمدّ نوره من نور الحقّ تعالى ، فلذّات الحواسّ على هذا لا يقع ذرّة من لذّات عالم العقل ، وكما أن لذة الملك والاستيلاء على الأقاليم وقهر الأعداء ونصر الأولياء عند من توفّرت دواعي نفسه النزوعية أعظم من لذة المطعم والمشرب والمنكح لأنّه يترك هذه لها ، فكذلك لذة الجمال العقلي عند من توفّر حظّه من كمال العقل أعظم من سائر لذّات الحسّ وسائر لذّات القوى الحيوانية ، بل العقل إذا كمل لا يستحسن لذّات الأجسام المظلمة ولا يركن إليها لخسّتها عنده وعدم بقائها بل يتأذّى بها لكونها حجابا له عن رؤية الحقائق الإلهية ، والنفوس الفاضلة بطبعها أميل إلى قبول الصور الروحانية من الصور الجسمانية ما دامت على اعتدالها ولم تتسلط عليها الأوهام ، فإنّ غلبة الوهم تحيل النفس عن اعتدالها حتى تستحسن لذة الأجسام وتركن إليها وتعمي عن رؤية الحقائق ، مثل المريض إذا فسد مزاجه فإنّه لا يستلذّ باللذيذ ولا ينفر طبعه عن البشيع لمرض حسّه . ومن أنكر اللذات العقلية فقد عدم البصيرة الباطنة كما أنّ من أنكر جمال الصور الجسمية فقد عدم البصر ، وهو كالعنّين إذا أنكر لذة الوقاع . تنبيه واعتراض بأنه فرق لشدة التأثير بين الجمال الظاهر والباطن عند الأكثر : لك أن تقول : إنّا نجد كلّ ذي حسّ من الناس تتأثّر نفسه بمشاهدة الجمال الظاهر ونعلم أن ذلك فيهم غريزي ، وربّما ودّى كثيرا من الناس إلى إفراط المحبة الذي هو العشق فبلغ بهم إلى إتلاف النفوس ، وأما الجمال الباطن فليس له هذا التأثير العظيم عند الأكثر .