عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

39

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

اتفق له ، فإن حركته غير إرادية . فسمّي حالة المحبة قبل السكر محبة وبعده عشقا . [ العشق ] فأما العشق فأول مقاماته الغرام وهو الانتشاء من خمر المحبة ، ثم الافتتان وهو خلع العذار ، وعدم المبالاة بالخلق ؛ ثم الوله وهو مقام الحيرة ، ثم الدهش وهو الذهول ، ثم الفناء عن رؤية النفس وهو أن يكون العاشق لا يسمع إلا بمحبوبه ولا يبصر إلا به ، ولا يدرك إلا به وله ، ومنه فناء به عن نفسه وعن الأشياء : [ من الوافر ] مساكين المحبّين الحيارى * تراهم مطلقين وهم أسارى وتحسبهم صحاة من مدام * وهم من خمر عشقهم سكارى إذا ذكر الحمى حنّوا إليه * بأرواح مولّهة حيارى لقد سكن الهوى لهم قلوبا * وقرّبها فأعدمها القرارا وأرباب هذه المقامات يتفاوتون فيها بحسب كمال الإدراك والذوق . وقد كان يمكننا أن نشرح مقامات المحبة هذه بشرح يبيّن حقيقتها ، لكن رأينا ذلك يستدعي تطويلا يخرجنا عمّا قصدناه من الاختصار . وأما مقامات العشق فهي أعظم من أن تتناولها عبارة ، أو تقع نحوها إشارة ، وإنما تؤخذ على الإجمال ، وعند وصول السالك إليها يفصّلها له ذوقه تفصيلا لا يفصّله القول ، وإذا كانت محبّة الجمال والكمال هي مقصودنا فيما نورده فلنشرح حقيقتها كما يجب بعون اللّه تعالى .