عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

40

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الباب الرابع في معنى الجمال والكمال على ما يعطيه المقال وفيه فصلان الفصل الأول في معنى الكمال ، وبدأنا به لأنه سرّ في وجود الجمال فنقول : أما الكمال فمعناه حضور جميع الصفات المحمودة للشيء وهو ينقسم إلى ظاهر وباطن . [ الكمال الظاهر ] أما الظاهر فهو اجتماع محاسن صفات الأجسام اللائقة بها وهو يختلف باختلاف الذوات ، فكمال كل شيء بحسب ما يليق به ، فالذي يكمل به شيء غير الذي يكمل به شيء غيره ، فإن الصفات التي تكمّل ذات الإنسان غير التي تكمّل ذات الحيوان ، والتي يكمل بها الحيوان غير التي يكمل بها النبات ، ولذلك الذي يكمّل جنسا من الأجناس غير الذي يكمّل الجنس الآخر حتى إن الذي يكمّل عضوا من أعضاء البدن غير الذي يكمّل العضو الآخر . فكمال صورة الإنسان الظاهرة في تناسب أعضائها واعتدال مزاجها وامتزاج البياض والحمرة في لونها ورقّة بشرتها وغير ذلك ، وكمال الفرس في قبوله لما يراد منه من الكرّ والفرّ وحسن تأديبه لكي يتمّ المقصود منه ، وكمال النبات غضارته ونضارته وبدائع أزهاره واختلاف ألوان نوّاره ، وكمال الصوت في رخامته وعذوبته ، وكمالات الأجسام كثيرة . فهذا هو الكمال الظاهر والنفوس تتأثّر به لأنه مظهر الجمال المحبوب بالطبع الروحاني والنفساني ، إذ الإنسان السليم من الآفات يحبّ الصورة الحسنة الخلق وينفر عن الصورة المشوّهة المنكوسة أو التي فيها نقص أو شين . والحواسّ التي هي رسل النفس إلى الجمال المبدّد على صفحات الموجودات تستريح إلى رؤية الماء الصافي والأزهار المونقة والأرايح الطيّبة والأصوات الرخمة والنغمات الموزونة حتى إنّ إدراك لذّة هذه الأشياء تذهب