عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

35

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

ولهذا قال عليه السلام : « المرء على دين خليله » « 1 » . يعني أن الذي أشرق في هذا النور الإلهي هو الذي أشرق في الآخر لاتحاد محلّهما فكان دينهما واحدا أي مطلوبهما وفهمهما الذي يدركان به الحقائق واحدا ، ولا يكون هذا التخلّل إلا تابعا للصفاء والخلوص الذي معناه زوال العوارض الزائدة عن الذوات حتى تبقى مجرّدة واحدة فتنطبع فيها صورة الوجود الكلي . [ الهوى ] فصل : وأما مقام الهوى فمعناه ميل القلب بالكلية إلى وجهة المحبوب والإعراض عمّا سواه وتجريد القصد له في كل حين وصرف الهمة إليه ، وفيه تستحكم المحبة وتشتدّ صورتها وينبسط سلطانها ويستولي لاعج « 2 » الشوق . ثم إن الهوى وإن كان وضعا لازما للمحبّ فهو يتجدّد بتجدّد النظرات إلى الصور الجميلة ، والمحاسن الرائقة النبيلة ، والشمائل اللطيفة المعاني ، وفتور الألحاظ الذي يلحق الطليق بالعاني ، فيجلب له الهوى من كل صوب ، ويجدّد له الأشواق من كل ناحية وأوب ، فهو رهين غرام ، وأسير سقام : [ من الطويل ] عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حديث أدري ولا أدري أعدن لي الشوق القديم ولم أكن * سلوت ولكن زدن جمرا إلى جمر « 3 » فالهوى سلطانه يستعبد الأرواح والأجساد ، وتنقاد لعزّته القلوب غاية الانقياد ، فلا يبقى له معها اختيار ولا مراد ، ولا يصحّ الاتّصاف بالهوى إلا لمن خرج عن هواه ، وآثر طاعة حبيبه على ما سواه ، فلا يسمع إلا منه ، ولا يتحدث إلا عنه . روي أن بعض أصحاب الأحوال سمع قارئا يقرأ : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب البرّ والصلة ، حديث رقم ( 7319 ) ( 4 / 188 ) ، وأحمد في المسند عن أبي هريرة حديث رقم ( 8398 ) ( 2 / 334 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) اللّعج : الحرقة . وفي « الأساس » : وبه لاعج الشوق ولواعجه ( تاج العروس ) . ( 3 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي علي بن الجهم بن بدر أبو الحسن من لؤي بن غالب ( 188 - 249 ه ) ، من قصيدة طويلة بلغت 61 بيتا .