عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

36

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

[ الجاثية : الآية 23 ] فغشي عليه ، فلما أفاق سئل عن حاله الذي استولى عليه من معنى هذه الآية فقال : قوله : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : الآية 23 ] أي ليس له هوى إلا إلهه فهو هواه ، وقوله : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [ الجاثية : الآية 23 ] أي ضلّ في حبّه لربّه على علم منه به ومعرفة فهو في ذلك على يقين . ولهذا قيل ليعقوب عليه السلام : إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ يوسف : الآية 95 ] أي في حبك القديم ، وقوله : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [ الجاثية : الآية 23 ] يعني بخاتم الغيرة فلا يسمع إلا كلام محبوبه ولا يجد في قلبه موجودا غيره ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : الآية 23 ] أي لا يشاهد إلا ذاته ولا يرى سواه ، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [ الجاثية : الآية 23 ] أي إن عدم الهدى من اللّه فممّن يطلبه . فهذا تأويل يدقّ على الأفهام معانيه ، إذ كل إناء يترشّح بما فيه : [ من الطويل ] إذا ما رأتك العين من بعد غاية * وعارض فيك الشكّ أثبتك القلب ولو أنّ ركبا يمّموك لقادهم * جمالك حتى يستدلّ بك الركب وأساليب الهوى وفنونه كثيرة لا يشتمل عليها كتاب ، ولا تحيط بها عبارة ولا خطاب . [ الشغف ] فصل : فأما مقام الشغف وهو الكلف والولوع بالمحبوب ، وهو عند أهل اللسان العرفي بلوغ الحب إلى شغاف القلب أي أصله . وليس القلب في الحقيقة هذا الشكل الصنوبري الذي تحيط به الأضلاع ، كما هو للبهيمة ، ولكن القلب سرّ الإنسان ومحلّ اطّلاع الربّ الذي لا تحيط به الأجسام . وإذا تقرر أن بين العبارات والمعاني المعبّر عنها مناسبة وعلمنا أن شغاف القلب أصله وأصل القلب الحقيقي عالم النور الإلهي الذي هو معدن المحبة والمعرفة فإذا بلغت المحبة بصاحبها إلى هذا العالم النوراني والحمى الإلهي الذي لا يصل إليه إلا من اختصّه الحق تعالى بعنايته ، وأباحه حرم حرمته ، وجناب جلاله وعظمته : [ من الطويل ] أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها * وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزّة من أعراضنا ما استحلّت