عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
25
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
وقيل : المحبة أغصان تغرس في القلب فتثمر على قدر العقول . فهذه أقاويل مفترقة ترجع إلى معان متقاربة كلها خارجة عن الحقيقة إذ هي إما ثمرة من ثمراتها أو لازم من لوازمها ، وسبب من أسبابها ، أو شرط فيها ، والحقيقة كما قلناه لا يمكن أن تؤخذ من الألفاظ ، فإن الألفاظ المتعارفة لا يوجد فيها لفظ يوفي بحقيقة المقصود ، وأيضا فالمحبة ألطف الأشياء فإذا كسيت الألفاظ والحروف - وهما من عالم الحس الكثيف - فقد كثفت لذلك وخرجت عن موضعها من اللطافة الذاتية لها . وأيضا فإن المحبة لا يعبّر عنها حقيقة إلا من ذاقها ، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول عن ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة ، كمثل من هو طافح سكرا إذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه لم يمكنه العبارة في تلك الحال لاستيلائه على عقله . والفرق بين السكرين أن سكر الخمر عرضيّ يمكن زواله ويعبّر عنه في حين الصحو ، وسكر المحبة ذاتيّ ملازم لا يمكن من وصل إليه أن يصحو عنه حتى يخبر فيه عن الحقيقة ، كما قيل : [ من البسيط ] يصحو من الخمر شاربوها * والعشق سكر على الدوام وأيضا : فإن الحد الحقيقي هو ما تركّب من جنس وفصل ؛ والمحبة لا جنس لها ولا فصل . وأما حدّها على ما تعطيه العبارة اللفظية فهو ابتهاج يحصل للنفس عن تصوّر حضرة ذات ما ، فهذا من أجود ما تحدّ به المحبة ، لأنّا قد نجد ظهور بعض الأمور الغريبة التي يجريها الحق تعالى في العالم إنما يكون سببه شدة تصوّرات النفس ، وكلما كان التصوّر شديدا كان ذلك أشدّ ، فيتعدّى بهذا التأثير أولا إلى بدنها ثم إلى الخارج ، فإن كانت النفس فاضلة كان ما يظهر عنها نورانيّا فيه لذّة وقهر كالمحبة ، وإن كانت شريرة كان ذلك شرّا وفسادا موجبا للألم والهلاك ، كالأخذ بالعين إذ معناه أثر يحدثه الحق بواسطة نفس خبيثة بتصوّر هلاك شخص يحصل عن ذلك التصوّر . وكذلك النفس الحيوانية إذا تصوّرت صورة ملائمة لطبعها يبعث ذلك التصوّر أعضاء بدنها على جلبه ، وإن كان غير ملائم دفعتها عنها بالقوة الغضبية ، وقد