عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
26
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
يحصل عن تصورات النفس الحيوانية أعراض كثيرة على سطح بدنها مثل حمرة الخجل وصفرة الوجل واشتعال الحرارة عند الغضب بعد كمونها واستحالة الدم إلى المنيّ عند تصور لذة الوقاع إلى غير ذلك . وأما الوهم فربما صوّر في الخيال صورا توفّر في الأجسام فساد المزاج حتى يؤدّي ذلك إلى الموت . فإذا كان يظهر بتوسط قوى النفس الحيوانية هذا الأمر فما ظنّك بتصورّات النفس الإلهية ! فإنها إذا تصورت قرب الحق تعالى ولذة مشاهدته التي هي غاية كل كمال ونهاية كل جمال فلا تقدّر اللذة الواردة على العارف في تلك الحال ولا تحرّر العبارة عن شدة طربه الروحاني وابتهاجه القدسي ، ونحن نشاهد من تفكّر في عظمة الحق تعالى وكبريائه وعزّ جلاله ترد عليه من أنواع الاضطراب والإغماء والخروج عن عالم الحسّ أمور عظيمة ، وربما خرجت روحه فرقا وخوفا من اللّه تعالى ، ومن تفكّر في بدائع جماله وكماله طارت نفسه محبّة له وشوقا إليه . ولو أنّا وجدنا عبارة عن اللذة الحاصلة للمحبّ عند تصوّر حضرة محبوبه بلفظ هو أعظم من لفظ الابتهاج لشرحنا به معنى المحبة ، لكن لا يمكن أن نوفي بذلك عبارة ، وناهيك من لذّة هي لذة الملائكة المقرّبين وخواصّ أصفياء اللّه العارفين فهي أعظم من أن تمرّ على خاطر . ولذّات النفوس الفاضلة لا تقدّر ولا تحدّ إذ لذّاتها بذاتها في ذاتها وبما يرد عليها من جمال العوالم النورية المستفاد من جمال الحق تعالى لا بأمر مّا خارج إذ الأمور الخارجة لا تفعل في النفس شيئا لكنها تحرّك منها ما أودع فيها أو تعدّها لتلقّي ما يسنح لها من عالم القدس ، ولهذا قال بعض العارفين : « إنما لذّاتي بذاتي في ذاتي » . فهذا ما حضرنا من شرح حقيقة المحبة على الإجمال ، فإن أردت ما هو أبين من هذا وكنت أهلا له فنحن نشير لك إلى طرف منه فنقول : اعلم أن الحق سبحانه لما أشرق نوره القدسي الذي هو عبارة عن سرّ الوجود والحياة والجمال والكمال على العالم الكلي فأول ما ظهر وتجلّى على الذوات العاقلة العارفة وهم الملائكة المكرمون فحصل لها بها ابتهاج شديد لا يمكن وصفه وتصوّرت ما حصل لها به من الظهور والجمال والكمال والنور فتضاعف ابتهاجها ونظرت إلى ذاتها فرأتها عاجزة قاصرة عن الإحاطة بإدراك كمال