عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

24

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الذات ، ثم يلزم عن المحبة الصبر على شدة الطلب ، وينبعث له في أثناء ذلك خوف الحجاب ورجاء القرب والوصال ، ثم تثمر المحبة الرضى بجميع مراد المحبوب والزهد فيما سواه واعتقاد وحدانيته أعني انفراده بصفات الكمال فإن ما سواه عدم محض ، وإسناد الأمور كلها إليه بالتفويض له والتوكل عليه . وأما الأحوال التابعة للمحبة فهي مثل الأنس والبسط والقبض والمراقبة والهيبة والفناء والبقاء والمشاهدة وسائر الأحوال ، فقد دخل في مجموع هذا المقام سائر المقامات والأحوال فإنها كلها مرادة له سواء كانت سابقة أو لاحقة ، إلا أن هذا المقام لدقّة معناه عن الأفهام واعتياصه عن الأذهان يحتاج إلى شرح أبسط من هذا ، فنقول : اعلم أنه قد اختلف الأولون والآخرون في حدّ هذا المقام وتباينوا في العبارة عن حقيقته إذ كلّ منهم إنما يعبّر على حسب ذوقه منه وينطق بمقدار حاله وكلّ قاصر لعجزه عن الإحاطة بحقيقته ، ومن وصل إلى شيء منه من أهل التحقيق لم يخاطب الجمهور به إلا رمزا وتلويحا ، فإنه أعظم من أن تشرح حقيقته بالنطق وحسب المعبّر عنه الإيماء ، فأما شرح الحقيقة باللفظ الصريح فمتعذّر جدّا ، ونحن نورد من عبارات الناس عن هذا المقام ما هو كالإشارة والإلماع . قال الحسين بن منصور الحلاج : المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك لأن كلّية المحبّ تطابق كلّية المحبوب فغيبته غيبة محبوبه ووجوده وجوده . وقيل : المحبة سرور القلب بمطالعة جمال المحبوب . وقيل : المحبة محو المحبّ بصفاته وإثبات المحبوب بذاته . وقيل : حقيقة المحبة أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب . وقيل : المحبة نار في القلب تحرق ما سوى المحبوب . وقيل : المحبة أن تهب كلّيتك لمحبوبك فلا يبقى لك منك شيء . وقيل : حقيقة المحبة ما لا يصلح إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب . وقيل : المحبة معنى من المحبوب قاهر للقلب تعجز العقول عن إدراكه وتمتنع الألسنة عن العبارة عنه .