عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
21
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
فالجمال الظاهر يفهم بواسطة الحواسّ والقوى البدنية ، والجمال الباطن تفهمه النفس من ذاتها بذاتها لكن بإفادة العالم الأعلى . فقد تمخّض مما قلناه أن للإدراك ثلاث مراتب : أولها : الإدرك الحسّي وهو أخذ الصورة بحاسّة البصر دون تشكّل في الخيال إلا بقدر زمان الرؤية ، وهذا أضعف الإدراكات وأبعدها عن اللذة الحقيقية . الثاني : الإدراك الخيالي وهو وجود صورة المحبوب في الخيال ثابتة فيه . الثالث : الإدراك العقلي وهو انتقال صورة المحبوب إلى ذات النفس عند التجريد من العوارض ، وهذا هو الإدراك الحقيقي والاتصال الكلي والمطلوب الأشرف ، فإن الأول سريع الزوال وسبيله التغير والانتقال ، والثاني طويل المقام لكنه غير بعيد عن الانصرام ، والثالث باق ببقاء الذات ثابت على اختلاف الحالات وكل محلّ حصل فيه المحبوب ولم يفتقر في كونه فيه إلى ما قبله فهو أكمل وأصفى . ولنقتصر على هذا القدر ونرجع إلى ما كنا فيه من ترتيب السلوك . فصل : اعلم أن النفس إذا أدركت جمال نفس إنسانية مناسبة لها إدراكا عريّا من العلل والعوارض يحصل لها من الابتهاج واللذّة بجمال ما أدركت ما يزيل عنها كثيرا من حبّ الشهوات البدنية التي كانت قبل هذا مألوفة لها ، حتى إنها إذا أمعنت في ذلك تنصرف عن عشق بدنها الذي كانت تحبّه وتعشقه بطبعها ، ولهذا نجد العاشق يسلبه عشقه للكمال عن لذة المطعم والمشرب والنوم وهي من الأمور الضرورية للجسم ، بل يحصل للنفس من الطرب والسرور بما هي فيه من اللذة الروحانية ما يشغلها عن الشعور بما فاتها من اللذات الخسيسة ، كما قيل : [ من البسيط ] لها أحاديث من ذكراك يشغلها * عن الشراب ويلهيها عن الزاد « 1 » وعند ذلك تتوجه بوجهها إلى حبّ اللذات الروحانية ويصير حبها للصفات المعنوية أكمل إلى أن تتبرّم بما كانت فيه من قبل ، فإنها كانت باعتبار إقبالها على
--> ( 1 ) لم أعثر على قائل هذا البيت ولعله للمصنّف .