عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

22

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

لذة المطعم والمشرب والمنكح وقصر الإدراك عليها بمنزلة البهائم بل شرّ منها فإنّ البهيمة لم يخلق لها استعداد سوى ذلك والإنسان خلق مستعدّا لنيل الكمال الخاصّ به : [ من الوافر ] ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام « 1 » وإذا بلغت النفس إلى هذا الحد تجمّعت مفترقاتها ، وتألّفت قواها ، وتضافر إدراكها الذي كان قبل هذا موزّعا على تحصيل لذّات المحسوسات ، فتصير بعد الشتات همّها همّا واحدا وهو الإقبال بكل الهمة على حب المعنى الأشرف والقرب من العالم الأقدس ، وتقول : [ من الطويل ] تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل * وعدت إلى مصحوب أول منزل ونادتني الأشواق مهلا فهذه * منازل من تهوى فدونك فانزل وخذ بنعيم قد صفا لك شربه * ودع ما سوى الأحباب عنك بمعزل وعند ذلك تتسلط عليها دواعي الشوق إلى استكمال وصال هذه النفس المعشوقة والاتحاد بها ، إذ وصال الأرواح اتّحادها الذي معناه قرب المناسبة بين النفسين حتى لا يخطر للعاشق أن ذاته شيء غير ذات محبوبه بل يعتقد أنه هو ، وبحصول هذا الاتحاد يزول معنى الفراق الذي هو عذاب النفوس فالفرقة عذاب ولا سيما فراق المشاكل ، وكلما هاج الشوق انزعج القلب إلى كمال الوصال ، والوصال كما تقدم وصال الأرواح لا مجرّد لقاء الأجسام ، فإنه لا جدوى له إذ قد نجد المتباغضين يجمعهما مكان واحد و تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : الآية 14 ] وإنما القريب من قرّبته المناسبة والبعيد من أبعده عدم المناسبة : [ من الكامل ] دع ذكر أحجار وذكر منازل * وتولّ عن بان العقيق ولعلع وانظر فؤادك تلق من أحببته * فيه وعدّ عن اللوى والأجرع ومن العجائب أن أكون مسائلا * عن حاضر ما زلت أبصره معي مثواه في قلبي ونور جماله * في ناظري وحديثه في مسمعي

--> ( 1 ) هذا البيت هو للمتنبي أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي الكندي أبو الطيب ( المولود سنة 303 ه - والمتوفّى سنة 354 ه ) من قصيدة له مطلعها : ملومكما يجلّ عن الملام * ووقع فعاله فوق الكلام