عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
20
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
من الصور بواسطة الجزء الفكري ، وإنما مثالهما في ذلك كمثل مرآة مقابلة لأخرى وفي الأول منهما نفوس كثيرة وصور مختلفة فإن جميع ما في المرآة الأولى ينطبع في الثانية ، وقد يغيب بعض تلك الصور لضعف القوة الحافظة فلا تزال النفس تطلبه بواسطة القوة المفكّرة حتى تستفيده من عالم الغيب الذي تتلقّى منه النفوس معارفها ، لأن النفوس بطول العناية بتلك الصورة تستعدّ لحصولها من عالم غيبها لا من خارج ، ثم كلما ناسبت تلك الصورة التي في الخيال النفس تصرفت فيها القوة المفكّرة فجرّدت منها عوارض الجسم وأخذت منها المعنى الروحاني ، وهو الجمال المجرّد عن علائق الجسم الذي هو مناسب للنفس المجرّدة ، فتنطبع هذه الصورة المجرّدة في النفس المدركة انطباعا متمكنا من أجل المناسبة ، فتحصل لها بها علاقة شديدة لشهودها لذات الجمال المجرّد في ذاتها بذاتها دون احتياج إلى تجديد أمر من الخارج ، وتعظم هذه العلاقة في النفس لابتهاجها بإدراك روح الجمال ، ثم لا تزال هذه الصورة المنطبعة في النفس تزداد لطافة وروحا ومحلّها صفاء وإشراقا إلى أن تتّحد بها النفس اتحادا عقليّا بحيث تستغني عن العوارض الجسمية والصور الخارجة اكتفاء بما حصل فيها ولعلمها أن صورة المحبوب الحقيقية إنما هي التي حصلت عندها وأنّ رسوم الجسم ليست هي تلك الصورة الجميلة وإن كانت الأجسام مظهرا لها ، كما أن المرآة مظهر للصورة المرئية بها وليست المرآة هي الصورة ولا الصورة فيها ، على ما يبرهن عليه في موضعه . وإنما استغنت النفس بهذه الصورة التي فيها لأنها فيها ألطف وأقرب مناسبة وأشدّ روحانية مما هي في الخارج ، فلهذا مازجتها النفس أشدّ ممازجة لتجرّدهما جميعا عن الموادّ والعلائق بخلاف ما هو في الخارج ، ثم لما حصلت النفس مدركة للصور الروحانية بذاتها وغير مفتقرة إلى الحواسّ وعلمت أن الذي أدركت أثر من آثار العالم العلوي اشتاقت إليه الكلية ، وعنده استعدّت لتلقّي الجمال الكلّي من أفق العالم العلوي فيسنح لها الجمال الكلي من العوالم النورية وتلتذّ بذلك لذّة تحتقر معها لذة جمال الأجسام الإنسانية وإن كان كلّ ذي جمال محبوبا ، جزئيّا كان أو كلّيّا ، لأنه أثر من آثار العالم العلوي المعشوق ، إلا أن الجمال المشرق على الهياكل الإنسانية يكون بواسطة نفسه والمشرق من العالم العلوي على النفس تدركه دون وساطة ولا تحديد ، وجنسهما واحد وإنما الفرق بينهما تفاوتهما في القوّة والضعف الذي أوجبه اختلاف محالّهما كما أنّ عكس النور أفضل من عكس عكسه .