عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
14
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
المضوّءة به لاختلافها في نفسها . وإذ قلنا إن النور بالجملة واحد فإنما يختلف بالشدّة والضعف فنور الشمس أقوى من نور القمر ونور القمر أقوى من نور الكواكب ، وكذلك المياه جنسها واحد وإنّما يتنوّع بأمور عرضت لها زائدة على جوهر الماء من الحرارة والبرودة والعذوبة والملوحة والغلظ والرقّة ، فهذا هو سبب الخلاف العارض للنفوس في هذا العالم ولأجل هذا الاختلاف اختلفت العلوم والمعارف والإدراكات والأذواق ومنازل العارفين . ومما يزيدك وضوحا أنّا لو فرضنا شخصا واحدا قد قابلت وجهه مرايا كثيرة مختلفة الأشكال بالصغر والكبر والصفاء والكدرة وسائر الاختلافات فإنّا نجد كل مرآة منها تنطبع فيها منه صورة مخالفة للأخرى وذلك لاختلاف المرايا لا لاختلاف صورة ذلك الشخص الواحد في نفسه ، فلو فرضنا مرآتين متساويتين في جميع الصفات الذاتية والعرضية حتى لا يوجد بينهما فرق لكانت الصورة الحاصلة فيهما من ذلك الشخص واحدة ، وهذا الفرض باطل لعدم التساوي بالكلية ، لكن لما تقاربت المرايا في المناسبة تقاربت الصور في المماثلة ، فلو وجد إنسانان متساويان في صورة الاستعداد الإنساني وخلقت لهما على هذا التقدير نفس واحد لكان معلوم كل واحد منهما نفس معلوم الثاني وبطلت الاثنينية وحصل الاتحاد وهذا متعذّر ، وإنما يتقارب المناسب مقاربة شديدة وهذه المناسبة هي الموجبة للمحبّة ، وتقوى المحبّة بحسب قوّتها حتى لا يفهم المحبّ أنّ بينه وبين محبوبه فرقا أصلا ، كما قيل : [ من المجتث ] أفنيتني بك عنّي * يا غاية المتمنّي أدنيتني منك حتى * ظننت أنّك أنّي « 1 »
--> ( 1 ) هذان البيتان مقتبسان من قصيدة للحلّاج ( 244 - 309 ه ) هي : عجبت منك ومنّي * يا منية المتمنّي أدنيتني منك حتّى * ظننت أنّك أني وغبت في الوجد حتّى * أفنيتني بك عنّي يا نعمتي في حياتي * وراحتي بعد دفني ما لي بغيرك أنس * إذا كنت خوفي وأمني يا من رياض معاني * ه قد حوت كلّ فنّ وإن تمنّيت شيئا * فأنت كل التّمني