عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

15

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وبقدر هذه المناسبة يكون عشق إحدى النفسين للأخرى إذ تتصور نفس العاشق أنها هي ذات المحبوب وأنّ إدراكها لمحبوبها هو نفس إدراكها لذاتها وهذا هو معنى الاتحاد ، كما حكي أن شخصين متحابّين ركبا سفينة فزلّت قدم أحدهما من أعلى السفينة فسقط في البحر فلما رآه صاحبه لم يتمالك أن سقط معه ، فلما رفعا إلى السفينة قال الأول منهما لصاحبه : أنا سقطت دون قصد وأنت لماذا سقطت ؟ فقال له : ظننت أني أنت وغبت عن نفسي فسقطت . فكان انفعال الجسم عن تصوّر النفس حقيقة الاتحاد ، وهذا كثير في العشاق : [ من الرمل ] كلما مسّك شيء مسّني * فإذا أنت أنا في كل حال واعلم أنّه متى كانت المناسبة التي بين المحبّين بالفطرة الأولى خفيت أسباب المحبّة في هذا الوجود ، وإن اتّفقت بعد فإن كانت تلك الأسباب ظاهرة فزمان ظهور المحبة بقدر ارتفاع العوارض عن إحدى الذاتين حتى تحصل المناسبة ، وربّما كانت المناسبة فيما بعد بما يقرب بالرياضة والتنقل في أطوار المحبة حتى تعود إلى أخصّ رتب القرب . وهذه الأطوار هي مقامات المحبة : [ من الرمل ] ما أرى نفسي إلّا أنتم * واعتقادي أنّكم أنتم أنا عنصر الأنفس منّا واحد * وكذا الأجسام جسم عمّنا « 1 » [ النفوس ثلاثة أقسام ] إشارة : واعلم أن النفوس ثلاثة أقسام : نفوس خلقت متيقّظة من ذاتها مقبلة على بارئها بالفطرة معرضة عن ما سواه ، وهذه هي نفوس الأنبياء وخواصّ الأصفياء أشرق عليها نور الحقّ فجذبها إليه وعكف بها عليه وتسمّى مطمئنّة . والقسم الثاني نفوس أعرضت بالكلية عن الحق تعالى وغلب عليها حبّ المحسوسات وشهوات الأجسام لاستيلاء الوهم عليها فأنكرت اللذّات الروحانية والمدارك العقلية ، وهذه هي نفوس الأشقياء ، فهي محجوبة عن اللّه تعالى مطرودة عن جنابه ولا مطمع في نجاتها ، وتسمّى الأمّارة .

--> ( 1 ) هذان البيتان هما للإمام الغزالي من قصيدة طويلة له مطلعها : لا تظنوا الموت موتا إنه * لحياة وهي غاية المنى