عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
103
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
والمريض يكره طعوم الأشياء اللذيذة ، وربّما يستلذّ طعوم البشيعة منها لمرض الحسّ ، فكذلك النفس إذا كانت مريضة وضعف إدراكها لذلك تأنس بالرذائل وتقنع بها ولا تتشوّق للفضائل . وشهوات الدنيا وإن لازمت مدّة الحياة إنما هي مثل أحلام النائم يلذّ بها ما دام نائما فإذا فارقها باليقظة تحسّر على فوتها وتألّم لفراقها : [ من البسيط ] وزارني طيف من أهوى على حذر * من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به فرحا * وكاد يهتك ستر الحبّ بي شغفا ثمّ انتبهت وآمالي تخيّل لي * نيل المنى واستحالت غبطتي أسفا وأيضا فإن هذه الشهوات الخسيسة تحول في الدنيا بين العقل وبين درك الحقائق ، فإذا جاء الموت وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [ سبأ : الآية 54 ] ، وقع الندم على الفائت عند كشف الغطاء ولم يمكن التدارك ، فحينئذ لا ينفع الندم ولا يغني الأسف ، فلا صاحب هذه الشهوات باق مع لذّاته ولا فاقد للألم عليها ولا واصل إلى السعادة الأخروية ، وهذا غاية الشقاء - نعوذ باللّه منه : [ من الكامل ] ومن الشقاء وللشقاء علامة * ألّا يرى بك عن هواك رجوع والعبد عبد النفس في شهواتها * والحرّ يشبع تارة ويجوع فصل : [ القول في إنكار محبة صورة الأجسام المعتدلة لذاتها ] ولقائل أن يقول : لم أنكرت محبة صورة الأجسام المعتدلة لذاتها وما فيها من الكمال الظاهر والجمال المقارن له الذي هو عبارة عن حسن الصورة ؟ فإن النفوس تحبّ الأجسام لتناسب أعضائها واعتدالها وحسن تأليفها وبديع شكلها بالطبع ، وتنفر عن الصور المنكوسة والخلق المشوّهة نفارا لا يدخل تحت اختيار ، وإذا كان حب الجمال الظاهر أمرا غريزيّا في الإنسان فكيف يمكن صرف النفس عنه وهو مع استحكامه لا يطاق ولا يقدر على الانخلاع عنه ؟ فكيف تصرف النفس عنه وكيف يمكن تعليقها بالجمال المجرّد ؟ وذلك لا يمكن أن يدرك إلا بعد صفاء النفس في الغاية وتجوهرها بما يرد عليها من الأنوار القدسية ، وهذا عسير جدّا ، لأنّه ليس من كسب الإنسان ، إذ النفس لا تدرك بمجرّد ذاتها شيئا حتى يمدّها الحقّ تعالى بنوره ، وإنما مثلها في ذلك مثل العين التي هي آلة الإبصار لا يمكنها الإبصار حتى يتّصل بها نور الروح الحيواني المستمدّ من القلب ، ثم لا تتبيّن لها