عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
104
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
الأشياء حتى يشرق على تلك الأشياء نور الشمس فتظهر في نفسها فيدركها إذ ذاك البصر ، كذلك النفس لا تدرك الأمور الروحانية حتى يمدّها العالم العلويّ بنوره فعند ذلك يتهيّأ لها أن تدرك ، ولا تظهر لها الحقائق حتى يشرق عليها نور الحق القدسي الواجب لذاته ، وهذا أمر لا يتوصّل إليه إلا بالتأييد الإلهي ، وقد جاء في الأثر « إن اللّه جميل يحبّ الجمال » وجاء « إن النظر إلى الوجه الحسن عبادة » وغير ذلك من الآثار ، هذا الجمال فما المراد بذلك ؟ فاعلم أن الجمال ينقسم على وجه إلى ثلاثة أقسام : الأول وهو جمال صورة الأجسام الجميلة ونسميه عالم حسن الصورة والجمال الجزئي . الثاني الجمال المجرد عن الأجسام المعقول دونها إما بالذات وإما بتجريد العقل له من العوارض ونسمّيه عالم صورة الحسن والجمال المجرّد . والثالث الجمال المطلق الواجب الوجود وهو الذي يستحقه الحق تعالى ولا ينبغي لأحد سواه ، وهو الجمال القدسي ، والأسفل من هذا مستمدّ مما فوقه . وأما الجمال الذي يظهر على الأجسام الجميلة المسمّى عالم حسن الصورة المفرّق على جميع المستحسنات اللائح على أعلى ديباج الخدود ، واعتدال قامات القدود ، وفترات الألحاظ ، وعذوبة الألفاظ ، وشنب الثغور ، وهيف الخصور ، ولين المعاطف ، وعتد السوالف ، الجاذب مفهومه لحبّات القلوب ، السالب معقوله لروحانية العقول ، فإنما ذلك كما قرّرناه أولا إشراق نور النفس على آفاق تلك الصفحات المعتدلة ، فهي في الحقيقة شرك له وحجب دونه وظل من ظلاله ، ولولا ذلك المعنى الذي حصل في هذه الأجسام لم تنجذب لها النفس على لطافتها حتى تغيب عن ذاتها كما لا تنجذب بمجرّد الأجسام إذا عدمت روح الحياة ، وعدمت بعدم الحياة إشراق نور هذا الجمال من عالم الحسن ، إذ النفس اللطيفة لا يجذبها إلا مناسب لها مثلها أو ألطف ولو من وراء حجاب ، ولا مناسبة بين اللطيف والكثيف : [ من الكامل ] ولقد أحنّ إلى زرود وطينتي * من غير ما جبلت عليه زرود ويطرّب الشادي فلا يهتزّني * وينال منّي السّائق الغرّيد ما ذاك إلا أنّ أقمار الحمى * أفلاكهنّ ، إذا طلعن ، البيد « 1 »
--> ( 1 ) هذه الأبيات من قصيدة طويلة بلغت 47 بيتا للشاعر العباسي مهيار بن مرزويه ، أبو الحسن -