عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

102

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

بارئه أعظم من دلالة سائر المخلوقات لاشتماله على جميع ما اشتملت عليه من الإحكام والإتقان ، فهو نسخة كتاب الوجود وسر العالم الأكبر على ما تقدم بيانه . وأما قولك إن الاستدلال بالجمادات والنبات أسلم من الآفات الصارفة عن تمام السلوك فقد تقدم بياننا أن السالكين لطريق المحبة إنما هم أهل النفوس القوية النظر ، الكاملة الطبع ، النافذة البصيرة ، وأما من يكون جبان النفس ضعيفا فهو ينقطع في أول مراتب الكون وهو الجماد ، وربما سقط ، فإن طائفة أحبّوا النار وهو جماد واعتقدوا كمالها حتى عبدوها وهم طائفة المجوس ، وآخرون عبدوا الحجارة وهم الهنود ومن قلّدهم في ذلك من الروم والعرب ، وآخرون عبدوا الشجر وهم أيضا طائفة من الأعراب ، وآخرون عبدوا الحيوانات البهيمية فلم ينفع هؤلاء لمّا قصر إدراكهم وضعف فهمهم شيء ، وكلّ ميسّر لما خلق له . والكامل من الناس من يصل إلى الحق تعالى من الطريق الأكمل ، ولا أكمل من الاستدلال على الصانع بأكمل صناعته وهي الذات الإنسانية ، فليس في العالم أكمل منها وليس يضرّ كمال الشمس كونها تمحق أنوار عيون الخفافيش . وقد ضلّ كثير من الناس من كتاب اللّه وفيه الهدى والنور وهو الحق المبين والصراط المستقيم ، فلم يقدح ذلك في كونه هدى ونورا ، قال اللّه تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : الآية 26 ] . وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [ الزّمر : الآية 37 ] : [ من الطويل ] ومن لم يكن للحقّ أهلا أضرّه * كإضرار نور الشمس للأعين الرمد [ حال محبة صور الأجسام الجميلة ] تنبيه : فأما محبة صور الأجسام الجميلة مقرونة بقضاء شهوة الفرج لا لقصد فوق ذلك كما هو مشهور من محبّة حثالة العامّة ، وأهل الغفلة والبطالة ، فذلك وصف خسيس وصاحبه قد صرف نفسه التي هي أمانة اللّه في الإنسان وبها سبب نجاته في الدار الآخرة ووصوله إلى جناب قرب ربه في عشق جسد مظلم لأجل قضاء شهوة خسيسة ركيكة لذّتها منقطعة ، وفوتها وشيك ، والألم عليها بعد الفراق باق ، والحزن من أجلها دائم . ولو كانت على خسّتها تدوم لصاحبها أبدا لكان فيها لذوي الهمم الدنيّة مقنع ، إذ سكر النفس من خمر الهوى يريها القبيح في صورة الحسن ، كما قيل : [ من البسيط ] يعمى على المرء في أيام محنته * حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن